التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠١ - ٥ عكرمة مولى ابن عباس
و من الواضح أنّ هكذا تشبّثات غريبة إنّما تنمّ عن حسد كان يحمله مناوِئوه تجاه منزلة الرجل و شموخه في الفقه و العلم، بمعاني القرآن الكريم.
قال ابن حجر- بشأن الرواية عن ابن عمر-: إنّها ضعيفة الإسناد، فضلًا عن اختلاف المتن و تباين النقل فيها. قال: إنّها لم تَثبُت؛ لأنّها من رواية أبي خلف الجزّار عن يحيى البكّاء، و البكّاء متروك الحديث. و من ثَمّ قال ابن حبّان: و من المحال أن يجرّح العدل بكلام المجروح. يقصد به البكّاء. و أضاف ابن حجر: أنّ إسحاق بن عيسى سأل مالكا:
أَ بَلَغَك أنّ ابن عمر قال لنافع كذا؟ قال: لا، و لكن بلغني أنّ سعيد بن المسيّب قال ذلك لمولاه برد![١]
قلت: و لقد كان رميه بالكذب شائعا على عهده، و ربّما على عهد سيّده ابن عبّاس أيضا؛ حيث ورد الذَّبّ عن نفسه صريحا، و إنكار ابن عبّاس ذلك.
قال ابن حكيم: كنت جالسا مع أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أُمامة، أُذكّرك اللّه، هل سمعت ابن عبّاس يقول: «ما حدّثكم عكرمة عنّي فصدّقوه، فإنّه لم يكذب عليّ»؟ فقال أبو أُمامة: نعم[٢]. و قال أيّوب: قال عكرمة: أ رأيت هؤلاء الذين يكذّبوني من خلفي، أفلا يكذّبوني في وجهي! قال ابن حجر: يعني أنّهم إذا واجهوه بذلك أمكنه الجواب عنه و المَخرج منه. و ذلك أنّ عكرمة كان يسمع الحديث من شيخ و مثله من شيخ آخر، فربّما حدّث و أسنده إلى الأوّل، ثمّ يحدّث و يسنده إلى الآخر، فمن ذلك رموه بالكذب، كما قال أبو الأسود: كان عكرمة ربّما سمع الحديث من رجلين، فكان إذا سئل، حدّث به عن رجل، ثمّ يُسأل عنه بعد حين فيحدِّث به عن الآخر، فيقولون:
ما أكذبه! و هو صادق[٣].
قال ابن حجر: احتجّ بحديث عكرمة البخاريّ و أصحاب السنن، و تركه مسلم- إلّا
[١] -. مقدّمة فتح الباري، ص ٤٢٥.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٤٢٧؛ تهذيب التهذيب، ج ٧، ص ٢٦٥.
[٣] -. مقدّمة فتح الباري، ص ٤٢٧.