التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - ضابطة التأويل
سبيل إسعاد العباد و إحياء البلاد «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها»[١].
و هذا الفحوى العامّ للآية الكريمة إنّما يعرف وَفق قانون «السَبر و التقسيم» و إلغاء الخصوصيّات المكتنفة بالموضوع، فيتنقّح ملاك الحكم العامّ.
و في القرآن كثير من هذا القبيل، إنّما الشأن في إمعان النظر و التدبّر في الذكر الحكيم؛ و بذلك يبدو وجه استفادة فرض الأخماس من آية الغنيمة، و دفع الضرائب من آية الإنفاق في سبيل اللّه.
*** و عليه فالمعيار لصحّة التأويل، أن يُصبح هذا الفحوى العامّ المستخرج من بطن الآية، بمنزلة كبرًى كلّيّة و جامعا شموليّا يستوعب مورد التنزيل، شمول الكلّيّ العامّ لمصداقه الخاصّ، و ليكون دليلًا عليه عقليّا، كما في آية السؤال؛ فإنّ العامّ المستحصل- و هو على الجاهل أن يراجع العالم فيما لا يعلمه- دليل عامّ منطبق على مورد التنزيل؛ حيث جهل المشركين بمسألة يعلمها أهل الكتاب.
و هذه هي المناسبة القريبة بين التنزيل و التأويل (الظهر و البطن) و التي اشترطها الإمام الشاطبيّ قيدا في صحّة التأويل:
اشترط لكون الباطن مرادا من الخطاب شرطين:
أحدهما: أن يصحّ على مقتضى الظاهر المقرّر في لسان العرب، و يجري على المقاصد العربيّة.
و الثانى: أن يكون له شاهد نصّا أو ظاهرا في محلّ آخر، يشهد لصحّته من غير معارض ..[٢]
و قد استوفينا شرح كلامه عند البحث عن شرائط التأويل، في مقدّمة تفسيرنا الأثريّ الجامع، فراجع.
[١] -. هود ٦١: ١١.
[٢] -. راجع: الموافقات للشاطبيّ، ج ٣، ص ٣٩٤.