التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٥ - ٤ طاووس بن كيسان
قال: أمّا خلع نعلَيَّ بحاشية بساطك، فإنّي أخلعهما بين يدَي ربّ العزّة كلّ يوم خمس مرّات، فلا يعاتبني و لا يغضب عليَّ. و أمّا ما قلتَ: لم تسلّم عليَّ بإمرة المؤمنين، فليس كلّ المؤمنين راضين بإمرتك، فخفتُ أن أكون كاذبا. و أمّا ما قلتَ: لم تُكنّني، فإنّ اللّه عزّ و جلّ سمّى أنبياءه، قال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى. و كنّى أعداءه فقال: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ». و أمّا قولك: جلست بإزائي، فإنّي سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول: «إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالس و حوله قوم قيام». فقال له هشام: عظني! قال: إنّي سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «إنّ في جهنّم حيّات كالقلال، و عقارب كالبغال، تلدغ كلّ أمير لا يعدل في رعيّته»، ثمّ قام و خرج[١].
انظر كيف يكرّر لفظ «أمير المؤمنين» يعني به عليّ بن أبي طالب عليه السلام في حين امتناعه من التسليم عليه بذلك، بحجّة أنّ في المؤمنين- و يعني أمثال نفسه- من لا يرضى بإمرته! إن هذا إلّا تربية أهل الولاء لآل بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم دون غيرهم إطلاقا.
*** و روى ابن خلّكان بشأن ابنه عبد اللّه ما يُشبه صلابة أبيه في الدين، قال: و روي أنّ أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور، استدعى عبد اللّه بن طاووس و مالك بن أنس، فأحضرهما. فلمّا دخلا عليه أطرق المنصور ساعة، ثمّ التفت إلى ابن طاووس، و قال له:
حدّثني عن أبيك. فقال: حدَّثني أبي أنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه تعالى في سلطانه، فأدخل عليه الجور في حكمه. فأمسك أبو جعفر ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي خوفا أن يصيبني دمه. ثمّ قال له المنصور: ناولني تلك الدواة- ثلاث مرّات- فلم يفعل، فقال له: لِمَ لا تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون قد شاركتك فيها! فلمّا سمع ذلك، قال: قوما عنّي. قال عبد اللّه: ذلك ما كنّا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله من ذلك اليوم[٢].
[١] -. المصدر نفسه، ص ٥١٠.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٥١١.