التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٠ - حريته في التفسير العقلي
و عند تفسير قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ»[١]، روى وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد، قال: تنتظر الثواب من ربّها. و عن الأعمش عنه: «تنتظر رزقه و فضله». و في حديث: «تنتظر من ربّها ما أمر لها». قال منصور: قلت لمجاهد: إنّ أُناسا يقولون: إنّه تعالى يُرى، فيرون ربّهم؟! فقال مجاهد: لا يراه من خلقه شيء. و في حديث آخر: يَرى و لا يراه شيء[٢].
و أنت ترى أنّ القول بامتناع الرؤية يخالف عقيدة السلفيّين من أصحاب الظواهر، و من ثَمّ رموه بالحياد عن طريقة السلف، و أنّه يفسّر برأيه، أو أنّه يرى مذهب الاعتزال، كما رموا تلاميذه حسبما يأتي في ابن أبي نجيح راوي تفسيره. و من ثَمّ قال الطبريّ- تعقيبا على ذلك-: و أَولى القولين في ذلك عندنا بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الحسن و عكرمة، من أنّ معنى ذلك: تنظر إلى خالقها.
قال الاستاذ الذهبيّ: و هذا التفسير عن مجاهد كان فيما بعدُ متّكأً قويّا للمعتزلة فيما ذهبوا إليه في مسألة الرؤية[٣].
قلت: و العجيب أنّ الآراء المستقيمة المتوافقة مع الفطرة و العقل الرشيد؛ حيث صدرت قديما و حديثا، فإنّها تُعزى إلى فريق المعتزلة، أو هي منشأ لمذاهبهم في العقيدة الإسلاميّة، الأمر الذي يجعل من العقل و الفطرة- في نظر أهل الجمود- في قبضة أهل الاعتزال، و في منحصر آرائهم و مذاهبهم.
قال الزمخشريّ: ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، فإنّ المؤمنين نُظّارة ذلك اليوم؛ لأنّهم الآمنون الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه، محال؛ فوجب حمله على معنى يصحّ معه الاختصاص. و الذي يصحّ منه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقّع و الرجاء، و منه قول القائل:
[١] -. القيامة ٢٢: ٧٥ و ٢٣.
[٢] -. تفسير الطبريّ، ج ٢٩، ص ١٢٠.
[٣] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ١٠٦.