التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - ضابطة التأويل
و المناسبة هنا- أيضا- ظاهرة؛ لأنّ العلم غذاء الروح، و لا بدّ من الاحتياط في الأخذ من منابعه الأصيلة، و لا سيّما علم الشريعة و أحكام الدين الحنيف.
و ثانيا: مراعاة النظم و الدقّة في إلغاء الخصوصيّات المكتنفة بالكلام؛ ليخلص صفوه و يجلو لبابه في مفهومه العامّ، الأمر الذي يكفله قانون «السَبر و التقسيم» من قوانين علم الميزان (علم المنطق) و المعبّر عنه في علم الاصول: بتنقيح المناط، الذي يستعمله الفقهاء للوقوف على الملاك القطعيّ لحكم شرعيّ؛ ليدور التكليف أو الوضع معه نفيا و إثباتا، و لتكون العبرة بعموم الفحوى المستفاد، لا بخصوص العنوان الوارد في لسان الدليل. و هذا أمر معروف في الفقه، و له شرائط معروفة.
و مثال تطبيقه على معنى قرآنيّ، قوله تعالى- حكاية عن موسى عليه السلام-: «قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ»[١].
هذه قولة نبيّ اللّه موسى عليه السلام قالها تعهّدا منه للّه تعالى، تِجاه ما أنعم عليه من البسطة في العلم و الجسم: «وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ»[٢] قضى على عدوّ له بوكزة وكزه بها، فحسب أنّه قد فرط منه ما لا ينبغي له، فاستغفر ربّه فغفر له. فقال ذلك تعهّدا منه للّه، أن لا يستخدم قواه و قدره الذاتيّة، و التي منحه اللّه بها، في سبيل الفساد في الأرض، و لا يجعل ما آتاه اللّه من إمكانات معنويّة و مادّيّة في خدمة أهل الإجرام.
هذا ما يخصّ الآية في ظاهر تعبيرها بالذات.
و هل هذا أمر يخصّ موسى عليه السلام لكونه نبيّا و من الصالحين، أم هو حكم عقليّ باتّ يشمل عامّة أصحاب القدرات، من علماء و ادباء و حكماء و أرباب صنائع و فنون، و كلّ من آتاه اللّه العلم و الحكمة و فصل الخطاب؟ لا ينبغي في شريعة العقل أن يجعل ذلك ذريعة سهلة في متناول أهل العبث و الاستكبار في الأرض، بل يجعلها وسيلة ناجحة في
[١] -. القصص ١٧: ٢٨.
[٢] -. القصص ١٤: ٢٨.