التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٠ - مدارس التفسير
حيث غادر البصرة و قدم الحجاز، بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، و كان واليا من قبل الإمام، فلم يتصدّ ولايةً بعده، عاكفا على أعتاب حرم اللّه، يؤدّي رسالته هناك في بثّ العلوم و نشر المعارف التي تعلّمها و أخذها عن الإمام عليه السلام. و قد دامت المدرسة مدّة حياته حتّى عام ثمانية و ستّين؛ حيث وفاته بالطائف، رضوان اللّه عليه.
و قد تخرّج من هذه المدرسة أكبر رجالات العلم في العالم الإسلاميّ حينذاك، و كان لهذه المدرسة و لمن تخرّج منها صدًى محمودٌ في أرجاء البلاد، و بقيت آثارها الحسنة سنّةً متّبعةً بين العباد، و لا تزال. و لعلّ أعلم التابعين بمعاني القرآن هم المتخرّجون من مدرسة ابن عبّاس و المتعلّمون على يديه.
قال ابن تيميّة: و أمّا التفسير فإنّ أعلم الناس به أهل مكّة؛ لأنّهم أصحاب ابن عبّاس، كمجاهد و عطاء و عكرمة. و غيرهم من أصحاب ابن عبّاس كطاووس و أبي الشعثاء و سعيد بن جبير و أمثالهم. و كذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود. و من ذلك تميّزوا به على غيرهم[١].
*** ٢. مدرسة المدينة: قيامها على الصحابة الموجودين بها، و لا سيّما أُبيّ بن كعب الأنصاريّ، سيّد القرّاء. كان من أصحاب العقبة الثانية، و شهد بدرا و المشاهد كلّها. قال له النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: لِيَهنِكَ العلم، أبا المنذر.
و كان أوّل من كتب لرسول اللّه مقدمه المدينة، فإذا لم يحضر أُبيٌّ كتب زيد بن ثابت.
كان أقرأ أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و كان ممّن جمع القرآن حفظا على عهد رسول اللّه، و تأليفا بعد وفاته. و كان قد تفرّغ للإقراء بالمدينة ما لم يتفرّغ له سائر الصحابة الباقين فيها. و من ثَمّ تصدّى الإملاء على لجنة توحيد المصاحف على عهد عثمان، و كانوا يرجعون إليه عند الاختلاف. تُوفّي سنة (٣٠ ه.) في خلافة عثمان، حسبما قدّمنا.
[١] -. مقدّمة في اصول التفسير، ص ٢٣- ٢٤ المطبعة السلفيّة، ١٣٨٥ ه ..