التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٥ - ميزات تفسير الصحابي
شافٍ و مع كمال الإيجاز و الإيفاء. فإذ قد سئل أحدهم عن معنى «غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ»[١]، أجاب على الفور: «غير متعرّض لمعصية»، من غير أن يتعرّض لاشتقاق الكلمة، أو يحتاج إلى بيان شاهد و دليل، و ما شاكل ذلك، ممّا اعتاده المفسّرون. و إذا سئل عن سبب نزول آية، أو عن فحواها العامّ، أجاب بشكل قاطع من غير ترديد، و على بساطة من غير تعقيد، كان قد ألِفَه المتأخرون.
ثانيا: سلامته عن جدل الاختلاف، بعد وحدة المبنى و الاتّجاه و الاستناد، ذلك العهد؛ إذ لم يكن بين الصحابة في العهد الأوّل اختلاف في مباني الاختيار، و لا تباين في الاتّجاه، و لا تضارب في الاستناد، و إنّما هي وحدة في النظر و الاتّجاه و الهدف، جمعت طوائف الصحابة على خطّ مستوٍ مستقيم. فلم تكن ثَمّة داعية لنشوء الاختلاف و التضارب في الآراء، و لا سيّما و الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أدّبهم على التزام سبيل الرشاد.
على أنّ التفسير ذلك العهد لم يكن ليتعدّ- في شكله و هندامه- حدود الحديث و شكله، بل كان جزءً منه و فرعا من فروعه، كما دأب عليه جامعو الأحاديث.
ثالثا: صيانته عن التفسير بالرأي، بمعنى الاستبداد بالرأي غير المستند إلى ركن وثيق، ذلك تعصُّب أعمى أو تلبيس في الأمر، كان يتحاشاه الأجلّاء من الصحابة الأخيار. و قد أسبقنا الكلام عن معنى التفسير بالرأي الممنوع شرعا، و المذموم عقلًا، بما يرفع الإبهام عن المراد به.
رابعا: خلوصه عن أساطير بائدة، و منها الأقاصيص الإسرائيليّة، لم تكن لتجد مجالًا للتسرّب في الأوساط الإسلاميّة العريقة، ذلك العهد المناوئ لدسائس إسرائيل، الأمر الذي انقلب ظهرا لبطن بعد حين، و جعلت الدسائس السياسيّة تلعب دورها في ترويج أساطير بني إسرائيل.
خامسا: قاطعيّته عن احتمال الشكّ و تحمّل الظنون، بعد وضوح المستند و صراحته،
[١] -. المائدة ٣: ٥.