التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٣ - هل المأثور من الصحابي حديث مسند؟
مشاهدات حاضرة أو فهم الأوضاع اللغويّة الأُولى أو ما يرجع إلى آداب و رسوم جاهليّة بائدة، كان الصحابة يعرفونها، و أشباه ذلك. فإن كان لا يرجع إلى شيء من ذلك، فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّه مستند إلى علم تعلّمه من ذي علم. هذا ما يقتضيه مقام إيمانه الذي يحجزه عن القول الجزاف. و إلّا فهو موقوف عليه و مستند إلى فهمه الخاصّ، و لا ريب أنّه أقرب فهما إلى معاني القرآن، من الذي ابتعد عن لمس أعتاب الوحي و الرسالة، و حتّى عن إمكان معرفة لغة الأوائل، و عادات كانت جارية حينذاك.
و هكذا صرّح العلّامة الناقد السيّد رضيّ الدين بن طاووس المتوفَّى سنة (٦٦٤ ه.) بشأن العلماء من صحابة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّهم أقرب علما بنزول القرآن»[١].
قال الإمام بدر الدين الزركشيّ: لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أُمّهاتها أربعة:
الأوّل: النقل عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و هذا هو الطراز الأوّل، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه و الموضوع، فإنّه كثير.
الثاني: الأخذ بقول الصحابيّ، فإنّ تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كما قاله الحاكم في تفسيره. و قال أبو الخطّاب- من الحنابله-: يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا:
إنّ قوله ليس بحجّة! و الصواب الأوّل؛ لأنّه من باب الرواية لا الرأي. و قد أخرج ابن جرير عن مسروق بن الأجدع قال: قال عبد اللّه بن مسعود: و الذي لا إله إلّا هو، ما نزلت آية في كتاب اللّه إلّا و أنا أعلم فيمن نزلت و أين نزلت، و لو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب اللّه منّي تناله المطايا لأتيته. و قال أيضا: كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يتجاوزهنّ حتّى يعلم معانيهنّ، و العمل بهنّ. قال: و صدْر المفسّرين من الصحابة، عليٌّ ثمّ ابن عبّاس- و هو تجرّد لهذا الشأن- و المحفوظ عنه أكثر من المحفوظ عن عليّ، إلّا أنّ ابن عبّاس كان أخذ عن عليّ عليه السلام، و يتلوه عبد اللّه بن عمرو بن العاص. و كلّ ما ورد عن غيرهم من الصحابة فحسن مقدّم[٢].
[١] -. في كتابه القيّم سعد السعود الذي عالج فيه نقد أكثر من سبعين كتابا في تفسير القرآن، كانت في متناوله ذلك العهد. ص ١٧٤ ط نجف.
[٢] -. البرهان في علوم القرآن، ج ٢، ص ١٥٦- ١٥٧.