التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٢ - هل المأثور من الصحابي حديث مسند؟
القرآن أنّها نزلت في كذا و كذا، فإنّه حديث مسند[١].
و هكذا قيّد ابن الصلاح و النوويّ و غيرهما ذاك الإطلاق بما لا يرجع إلى معرفة أسباب النزول المشاهدة، و نحو ذلك ممّا يمكن معرفته للصحابة بالمشاهدة و العيان. نعم، إذا كان ممّا لا مجال للرأي فيه، ممّا يعود إلى ما وراء الحسّ من قبيل أمر الآخرة و نحو ذلك، فإنّ مثل ذلك حديث مسند، مرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم نظرا لموضع عدالة الصحابة، و تنزيهه عن القول على اللّه بغير علم، و لا مستند إلى ركن وثيق.
قال النوويّ- في التقريب-: و أمّا قول من قال: تفسير الصحابيّ مرفوع، فذاك في تفسير يتعلّق بسبب نزول آية أو نحوه، و غير موقوف.
قال السيوطيّ- في شرحه-: كقول جابر: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دُبرها في قبلها، جاء الولد أحول، فأنزل اللّه تعالى: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...» رواه مسلم، أو نحوه ممّا لا يمكن أن يؤخذ إلّا عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، و لا مدخل للرأي فيه. قال: و كذا يقال في التابعيّ، إلّا أنّ المرفوع من جهته مرسل. قال: ما خصّص به المصنّف كابن الصلاح و من تبعهما قول الحاكم، قد صرّح به الحاكم في علوم الحديث، ثمّ ذكر حديث أبي هريرة في قوله تعالى: «لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ» فالحاكم أطلق في المستدرك و خصّص في علوم الحديث، فاعتمد الناس تخصيصه. و أظنّ أنّ ما حمله في المستدرك على التعميم الحرص على جمع الصحيح، حتّى أورد ما ليس من شروط المرفوع، و إلّا ففيه من الضرب الأوّل الجمّ الغفير. على أنّي أقول: ليس ما ذكره عن أبي هريرة من الموقوف؛ لما تقدّم من أنّ ما يتعلّق بذكر الآخرة و ما لا مدخل للرأي فيه، من قبيل المرفوع[٢].
*** و على أيّة حال، فإنّ التفسير المأثور عن صحابيّ جليل- إذا صحّ الطريق إليه- فإنّ له اعتباره الخاصّ. فإمّا أن يكون قد أخذه من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و هو الأكثر فيما لا يرجع إلى
[١] -. معرفة علوم الحديث للحاكم، ص ١٩- ٢٠.
[٢] -. تدريب الراوي للسيوطيّ، ج ١، ص ١٩٣ ط ٢، ١٣٩٩ ه ..