التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٢ - الطرق إليه في التفسير
التفسير لما تركه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أحرى. و من أعظم الدليل على أنّ اللّه لم يرد تفسير القرآن كلّه، أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ترك من الكتاب متشابها من الآي، و آيات ليس فيها أحكام، فلم يبيّن كيفيّتها لأُمّته؛ فدلّ ذلك على أنّ المراد من قوله: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» كان بعض القرآن لا كلّه[١].
قلت: هذا كلام ناشئ عن عصبيّة عمياء. كيف يَجْرأ مسلم متعهّد أن ينسب إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه لم يفسّر لأُمّته جميع ما أُبهم في القرآن إبهاما، و قد أمره تعالى بذلك: و قد أثبتنا فيما قبل أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بيّن الجميع إمّا في إيجاز أو تفصيل، و لم يترك شيئا تحتاج إليه أُمّته- و منها فهم معاني القرآن كلّه- لم يبيّنه لهم، إنّما عليه البيان كما كان عليه البلاغ.
أمّا توسّع الكلبيّ في التفسير، فأمر معقول، بعد كونه ناجما عن توسّعه في العلم، وتربيته في مهد العلم كوفة العلماء الأعلام من صحابة الرسول الأخيار. و هذا لا يُعَدّ عيبا في الرجل.
|
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم |
بهنّ فلول من قراع الكتائب |
|
و تفسير الكلبيّ هذا لا يزال موجودا منعَما بالحياة، و قد استقصى الدكتور شوّاخ نسخه المخطوطة في المكتبات اليوم، منذ نسخته التي كتبت سنة (١٤٤ ه.) حتّى القرن (١٢)[٢].
*** و أمّا أبو صالح- و يقال له: باذام أو باذان، مولى امّ هانئ بنت أبي طالب- فقد روى عن عليّ عليه السلام و ابن عبّاس و مولاته امّ هانئ، و روى عنه الأجلّاء كالأعمش و السدّيّ الكبير و الكلبيّ و الثوريّ و غيرهم.
قال عليّ بن المدينيّ عن يحيى القطّان: لم أر أحدا من أصحابنا تركه، و ما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا.
[١] -. المجروحين لابن حبّان، ج ٢، ص ٢٥٥.
[٢] -. معجم مصنّفات القرآن الكريم، ج ٢، ص ١٦٦- ١٦٩، رقم ١٠٠٥.