التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥١ - الطرق إليه في التفسير
تفسير هذه الآية على ما أنزله اللّه! فرُفع ذلك إلى سليمان بن عليّ، فقال: اكتبوا ما يقول و دَعوا ما سوى ذلك[١].
قلت: و لعلّ الآية هي قوله تعالى: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها»[٢]. فقد حاول غوغاء العوامّ إرجاع ضمير «عليه» إلى الصاحب، ليكون فضيلة له، بحجّة أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لم ينزعج حتّى يسكن بل لم يزل معه سكينة[٣].
و أورد جلال الدين السيوطيّ روايات بهذا الشأن[٤]، و تركها الطبريّ، و فسّر الآية بنزول السكينة على رسوله، مكتفيا بقوله: و قد قيل: على أبي بكر[٥]. أمّا ابن كثير فجعل إرجاع الضمير إلى الرسول أشهر القولين، و ردّ على مستمسك القول الثاني بأنّ تداوم السكينة مع النبيّ، لا ينافي تجدّدها، خاصّة بتلك الحال. و لهذا قال: «وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها»[٦]. و فصّل الطبرسيّ الكلام في ذلك بعض الشيء، فراجع[٧].
و لأبي حاتم- هنا- كلام غريب، ننقله بلفظه:
قال: يروي الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس التفسير، و أبوصالح لم يرَ ابن عبّاس و لا سمع منه شيئا، و لا سمع الكلبيّ من أبي صالح إلّا الحرف بعد الحرف، فجعل لما أُحتيج له، تخرج له الأرض أفلاذ كبدها!
قال: لا يحلّ ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به! واللّه جلّ و علا ولّى رسوله صلى الله عليه و آله و سلم تفسير كلامه[٨]. و محال أن يأمر اللّه نبيّه أن يبيّن لخلقه مراده و يفسّره لهم، ثمّ لا يفعل، بل أبان عن مراد اللّه و فسّر لأُمّته ما يهمّ الحاجة إليه، و هو سُننه صلى الله عليه و آله و سلم فمن تتبّع السنن، حفظها و أحكمها، فقد عرف تفسير كلام اللّه، و أغناه عن الكلبيّ و ذويه.
قال: و ما لم يبيّنه من معاني الآي، و جاز له ذلك، كان لمن بعده من أُمّته أجوز و ترك
[١] -. الفهرست لابن النديم، ص ١٤٥.
[٢] -. التوبة ٤٠: ٩.
[٣] -. راجع: روح المعاني للآلوسيّ، ج ١٠، ص ٨٧؛ بالغ الرازيّ- في ظاهر كلامه- في الدفاع عنه، في تفسيره، ج ١٦، ص ٦٣.
[٤] -. الدرّ المنثور، ج ٤، ص ١٩٨ و ٢٠٧.
[٥] -. تفسير الطبريّ، ج ١٠، ص ٩٦.
[٦] -. تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٣٥٨.
[٧] -. مجمع البيان، ج ٥، ص ٣٢.
[٨] -. النحل ٤٤: ١٦.