التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٤ - الطرق إليه في التفسير
و رماه أبو حنيفة بالتشبيه. و لكن لمّا سأله بعضهم عن ذلك، فقال: بلغني أنّك تشبّه؟
قال: إنّما أقول: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» فمن قال غير ذلك فقد كذب[١].
و أخرج الخطيب عن القاسم بن أحمد الصفّار، قال: كان إبراهيم الحربيّ يأخذ منّي كتب مقاتل، فينظر فيها. فقلت له ذات يوم: أخبرني يا أبا إسحاق، ما للناس يطعنون على مقاتل؟ قال: حسدا منهم لمقاتل، قال: و قال مقاتل: أُغلق عليَ و على الضحّاك باب أربع سنين.
قال الخطيب: و كان له معرفة بتفسير القرآن، و لم يكن في الحديث بذاك. و أخرج عن أحمد بن حنبل، قال: كانت له كتب ينظر فيها، إلّا أنّي أرى أنّه كان له علم بالقرآن. و عن يحيى بن شبل، قال: قال لي عباد بن كثير: ما يمنعك من مقاتل؟ قال: قلت: إنّ أهل بلادنا كرهوه! قال: فلا تكرهنَّه، فما بقي أحد أعلم بكتاب اللّه منه. و كان عند سفيان بن عيينة كتاب مقاتل، كان يستدلّ به و يستعين به. و قال مقاتل بن حيّان- لمّا سئل أنت أعلم أم مقاتل بن سليمان-: ما وجدتُ علم مقاتل في علم الناس إلّا كالبحر الأخضر (المحيط) في سائر البحور. و عن بقيّة بن الوليد، قال: كنت كثيرا أسمع شعبة و هو يُسأل عن مقاتل، فما سمعته قطّ ذكره إلّا بخير.
و من طريف ما يُذكر عنه- و هو حالّ ببغداد-: أنّ أبا جعفر المنصور كان جالسا ذات يوم، و كان ذباب قد ألحّ عليه يقع على وجهه و ألحّ في الوقوع مرارا حتّى أضجره. فأرسل من يُحضر مقاتل بن سليمان، فلمّا دخل عليه قال له: هل تعلم لماذا خلق اللّه الذّباب؟
قال: نعم، ليذلّ اللّه به الجبّارين، فسكت المنصور[٢].
نعم، كان الرجل صريحا في لهجته، واسع العلم، بعيد النظر، شديدا في دينه، صلبا في عقيدته. و فوق ذلك كان يميل مع مذهب أهل البيت، ذلك المنهج الذي انتهجه أشياخه من
[١] -. المصدر نفسه، ص ٢٨١- ٢٨٢.
[٢] -. تاريخ بغداد، ج ١٣، ص ١٦٠- ١٦٩؛ وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٥٥، رقم ٧٣٣.