التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٦ - التحذير عن مراجعة أهل الكتاب
لم يثبت منه شيء.
أمّا الذي جاء به الاستاذ مثلًا من قوله تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ»[١] قال: فاقرأ ما حكاه الطبريّ و غيره عند تفسير الآية.
فقد راجعنا تفسير الطبريّ و الدرّ المنثور و ابن كثير و غيرها من امّهات كتب التفسير بالنقل المأثور[٢]، فلم نجد فيها ذكرا لكعب و لا مسائلته من قبل أحد من الأصحاب، أو غيرهم من التابعين أيضا. و لم ندر مِن أين أخذ الاستاذ هذا المثال، و من الذي عرّفه ذلك، فأوقعه في هذا الوهم الفاضح.
و أمّا قوله: كان ابن عبّاس يجالس كعب الأحبار، و كان أكثر من نَشَر عِلْمَه ...[٣]، فكلام أشدّ وهما و أكثر جفاءً على مثل ابن عبّاس الصحابيّ الجليل؛ إذ لم نجد و لا رواية واحدة تتضمّن نقلًا لابن عبّاس عن أحد من اليهود، فضلًا عن مثل كعب الأحبار الساقط الشخصيّة[٤].
نعم، أشار المستشرق جولد تسيهر إلى موارد، زعم فيها مراجعة ابن عبّاس لأهل الكتاب، و لعلّها كانت مستند الاستاذ أحمد أمين تقليدا من غير تحقيق. و لكنّا راجعنا تلك الموارد، فلم نجدها شيئا، كسراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماءً.
منها: أنّ ابن عبّاس سأل كعب الأحبار عن تفسير تعبيرين قرآنيّين: امّ الكتاب، و المرجان[٥].
روى الطبريّ بإسناده إلى عبد اللّه بن ميسرة الحرّانيّ: أنّ شيخا بمكّة من أهل الشام سمع كعب الأحبار يُسأل عن المرجان (الرحمان (٥٥): ٢٢) فقال: هو البسذ[٦].
لكن من أين علم جولد تسيهر أنّ الذي سأل كعبا هو شيخ مكّة و زعيمها ابن عبّاس؟!
[١] -. البقرة ٢١٠: ٢.
[٢] -. تفسير الطبريّ، ج ٢، ص ١٩٠- ١٩٢؛ الدرّ المنثور، ج ١، ص ٢٤١- ٢٤٢؛ تفسير ابن كثير، ج ١، ص ٢٤٥- ٢٤٩.
[٣] -. فجر الإسلام، ص ١٦٠.
[٤] -. سوف ننبّه أنّ كعب الأحبار كان من صنايع معاوية، صنعه لنفسه لغرض الحطّ من كرامة الإسلام.
[٥] -. مذاهب التفسير الإسلاميّ، ص ٨٨.
[٦] -. تفسير الطبريّ، ج ٢٧، ص ٧٦.