التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٣ - نقد و تمحيص
فيها الفساد، على ما سننبّه.
و قد تابعه على هذا الرأي الاستاذ أحمد أمين، قال: و لم يتحرّج حتّى كبار الصحابة مثل ابن عبّاس من أخذ قولهم. روي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم و لا تكذّبوهم». و لكنّ العمل كان على غير ذلك، و أنّهم كانوا يصدّقونهم و ينقلون عنهم! و إن شئت مثلًا لذلك فاقرأ ما حكاه الطبريّ و غيره عند تفسير قوله تعالى:
«هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ»[١]. و عقّبه بقوله: و قد رأيت ابن عبّاس كان يجالس كعب الأحبار و يأخذ عنه[٢]، إشارة إلى ما سبق من قوله: و أمّا كعب الأحبار أو كعب بن ماتع فيهوديّ من اليمن، و أكبر من تسرّبت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، أسلم في خلافة أبي بكر أو عمر- على خلاف في ذلك- و انتقل بعد إسلامه إلى المدينة ثمّ إلى الشام. و قد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نَشَر علمَه: ابن عبّاس- و هذا يعلّل ما في تفسيره من إسرائيليّات- و أبو هريرة[٣].
*** نقد و تمحيص
و إنّا لنأسف كثيرا أن يغترّ كُتّابنا النُقّاد- أمثال الاستاذ أحمد أمين و الاستاذ الذهبيّ- بتخرّصات لفّقها أوهام مستوردة، فلنترك المستشرقين في ريبهم يتردّدون، و لكن ما لنا- نحن معاشر المسلمين- أن نحذو حذوهم و نواكبهم في مسيرة الوهم و الخيال؟!
لا شكّ أنّ نبهاء الصحابة أمثال ابن عبّاس كانوا يتحاشون مراجعة أهل الكتاب و يستقذرون ما لديهم من أساطير و قصص و أوهام، و إنّما تسرّبت الإسرائيليّات إلى حوزة الإسلام، بعد انقضاء عهد الصحابة، و عند ما تسيطر الحكم الأمويّ على البلاد لغرض العيث في الأرض و شمول الفساد، الأمر الذي أحوجهم إلى مراجعة الأنذال من
[١] -. البقرة ٢١٠: ٢.
[٢] -. فجر الإسلام، ص ٢٠١.
[٣] -. المصدر نفسه، ص ١٦٠.