التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٠ - مراجعة أهل الكتاب
لم يتعرّض لها القرآن، و لا جاءت في بيان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؛ حيث لم تَعُدْ حاجة ملحّة إلى معرفتها، و لا فائدة كبيرة في العلم بها كعدد أصحاب الكهف، و البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، و مقدار سفينة نوح، و ما كان خشبها، و اسم الغلام الذي قتله الخضر، و أسماء الطيور التي أحياها اللّه لإبراهيم، و نحو ذلك ممّا لا طريق إلى معرفة الصحيح منه.
فهذا يجوز أخذه من أهل الكتاب، و التحدّث عنهم و لا حرج، كما ورد «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج»[١]، المحمول على مثل هذه الامور.
قال ابن تيميّة: و في بعض الأحيان يُنقل عنهم (عن بعض الصحابة مثل ابن مسعود و ابن عبّاس و كثير من التابعين) ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم؛ حيث قال: «بلِّغوا عنّي و لو آيةً، و حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج». رواه البخاريّ عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و لهذا كان عبد اللّه بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين[٢] من كتب أهل الكتاب، فكان يحدّث منهما، بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك. و لكن هذه الأحاديث الإسرائيليّة إنّما تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنّها من الامور المسكوت عنها، و لم نعلم صدقها و لا كذبها ممّا بأيدينا، فلا نؤمن به و لا نكذّبه، و تجوز حكايته، و غالب ذلك ممّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر دينيّ، و قد أبهمه اللّه في القرآن، لا فائدة في تعيينه تعود على المكلّفين في دنياهم و لا دينهم.[٣]
*** و وافقه على هذا الرأي الاستاذ الذهبيّ، قال: كان ابن عبّاس يرجع إلى أهل الكتاب و يأخذ عنهم، بحكم اتّفاق القرآن مع التوراة و الإنجيل، في كثير من المواضع التي أُجملت في القرآن و فُصّلت في كتب العهدين. و لكن في دائرة محدودة ضيّقة، تتّفق مع القرآن
[١] -. مسند أحمد، ج ٢، ص ١٥٩، ٢٠٢ و ٢١٤ عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص و ص ٤٧٤ و ٥٠٢ عن أبي هريرة و ج ٣، ص ١٣ و ٤٦ و ٥٦ عن أبي سعيد الخدريّ.
[٢] -. أي ملفّتين، من زمّل الشيء بثوبه أو في ثوبه: لفّه.
[٣] -. راجع: مقدّمة في اصول التفسير، ص ٤٥- ٤٧.