التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٨ - مسائل ابن الأزرق
و قال- في عرفه-: و قال ابن عبّاس: حدّ عرفة من الجبل المشرف على بطن عُرنة إلى جبالها إلى قصر آل مالك و وادي عرفة[١].
و قال- في تحديد جزيرة العرب-: و أحسن ما قيل في تحديدها ما ذكره أبو المنذر هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ مسندا إلى ابن عبّاس، قال: اقتسمت العرب جزيرتها على خمسة أقسام. قال: و إنّما سمّيت بلاد العرب جزيرة؛ لإحاطة الأنهار و البحار بها من جميع أقطارها و أطرافها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر[٢]. إلى غيرها من موارد تدلّك على سعة معرفة ابن عبّاس بالأوضاع و الأحوال التي تكتنفه، شأن أيّ عالم و محقّق خبير.
و بعد فإنّ إحاطته باللغة و بالشعر القديم، لتدلّك على قوّة ثقافته البالغة حدّا لم يصل إليه غيره، ممّن كان في طرازه ذلك العهد، الأمر الذي جعله بحقّ زعيم هذا الجانب من تفسير القرآن، حتّى لقد قيل في شأنه: هو الذي أبدع الطريقة اللغويّة في التفسير[٣] فضلًا عن كونه أبا للتفسير في جميع جوانبه و مجالاته.
و بذلك كان قد كشف النقاب عن وجه كثير من آيات أحاطت بها هالة من الإبهام، لولا معرفة سبب النزول. مثلًا نتساءل: ما هي العلاقة بين «ذكر اللّه و ذكر الآباء» في قوله تعالى:
«فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً»[٤] و السياق وارد بشأن أحكام الحجّ و مناسكه؟
و هنا يأتي ابن عبّاس ليوضّح من موضع هذه العلاقة. قال: «إنّ العرب كانوا عند الفراغ من حجّتهم بعد أيّام التشريق، يقفون بين مسجد منى و بين الجبل، و يذكر كلّ واحد منهم فضائل آبائه في السماحة و الحماسة و صلة الرحم، و يتناشدون فيها الأشعار، و يتكلّمون
[١] -. المصدر نفسه، ج ٤، ص ١٠٤.
[٢] -. المصدر نفسه، ج ٢، ص ١٣٧.
[٣] -. التفسير والمفسّرون، ج ١، ص ٧٥( مذاهب التفسير الاسلاميّ لجولد تسيهر، ص ٦٩). وراجع: مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة الدكتور عبدالحليم النجّار، ص ٩٠.
[٤] -. البقرة ٢٠٠: ٢.