التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٢ - رابعا اضطلاعه بالأدب الرفيع
فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قطّ! فقال: و لكنّي ما رأيت قطّ أذكى من عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
و كان ابن عبّاس يقول: ما سمعت شيئا قطّ إلّا رويتُه. ثمّ أقبل على ابن أبي ربيعة، فقال: أنشد، فأنشده:
تشطُّ غدا دارُ جيراننا ... و سكت.
فقال ابن عبّاس: و للدارُ بعد غدٍ أبعدُ.
فقال له عمر: كذلك قلت- أصلحك اللّه- أ فسمعته؟ قال: لا، و لكن كذلك ينبغي!![١]
و هذا غاية في الفطنة و الذكاء، مضافا إليه الذوقُ الأدبيّ الرفيع. و هو الذي كان يحفظ خُطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الرنّانة فور استماعها، فكان راوية الإمام في خُطبه و سائر مقالاته.
*** و كان ذوقه الأدبيّ الرفيع و ثقافته اللغويّة العالية، هو الذي حدا به إلى استخدام هذه الأداة ببراعة، حينما يفسّر القرآن و يشرح من غريب لفظه. كان يقول: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن، الذي أنزله اللّه بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها، فالتمسنا معرفة ذلك منه.
و أخرج ابن الأنباريّ من طريق عكرمة عن ابن عبّاس، قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن، فالتمسوه في الشعر، فإنّ الشعر ديوان العرب[٢].
و أخرج الطبريّ من طريق سعيد بن جبير- في تفسير قوله تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»[٣]- عن ابن عبّاس، و قد سئل عن الحرج، قال: إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر، فإنّ الشعر عربيّ. ثمّ دعا أعرابيّا فقال: ما الحرج؟ قال: الضيق. قال ابن
[١] -. الأغاني لأبي الفرج الأصبهانيّ، ج ١، ص ٨١- ٨٣.
[٢] -. الإتقان، ج ٢، ص ٥٥.
[٣] -. الحجّ ٧٨: ٢٢.