التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٩ - ٤ عبد الله بن عباس
و بذلك كان يستعيض عمّا فاته من العلم أيّام حياة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لصغره، باستطراق أبواب العلماء من صحابته الكبار.
قيل لطاووس: لزمْتَ هذا الغلام- يعني ابن عبّاس لكونه أصغر الصحابة يومذاك- و تركْتَ الأكابر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم؟ قال: إنّي رأيت سبعين رجلًا من أصحاب رسول اللّه، إذا تدارؤوا في أمر، صاروا إلى قول ابن عبّاس.
و عن عبيد اللّه بن عليّ بن أبي رافع، قال: كان ابن عبّاس يأتي جَدّي أبا رافع، فيسأله عمّا صنع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يوم كذا، و معه من يكتب له ما يقول.
قال مسروق بن الأجدع: كنت إذا رأيت ابن عبّاس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت:
أفصح الناس، فإذا تحدّث قلت: أعلم الناس.
و قال أبو بكرة: قدم علينا ابن عبّاس البصرة، و ما في العرب مثله حشما، و علما، و ثيابا، و جمالًا، و كمالًا.
و قد لُقّب حِبر الامّة، و البحر؛ لكثرة علمه، و ترجمان القرآن، و ربّانيّ هذه الامّة؛ لاضطلاعه بمعاني القرآن و وجوه السنّة و الأحكام.
و له مواقف مشهودة مع أمير المؤمنين عليه السلام في جميع حروبه: صفّين، و الجمل، و النهروان. مات بالطائف سنة (٦٨ ه.) و قد ناهز السبعين، و صلّى عليه محمّد بن الحنفيّة[١].
روى أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّيّ بإسناده إلى عبد اللّه بن عبد ياليل- رجل من أهل الطائف- قال: أتينا ابن عبّاس رحمه الله نعوده في مرضه الذي مات فيه، فأُغمي عليه فأُخرج إلى صحن الدار، فأفاق، و قال كلمته الأخيرة: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أنبأني أنّي سأهجر هجرتين: فهجرة مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و هجرة مع عليّ عليه السلام. و أمرني أن أبرأ من خمسة: من الناكثين: و هم أصحاب الجمل، و من القاسطين: و هم أصحاب الشام، و من
[١] -. الإصابة، ج ٢، ص ٣٣٠- ٣٣٤، رقم ٤٧٨١؛ أُسد الغابة، ج ٣، ص ١٩٢- ١٩٥.