التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٥ - ٢ عبد الله بن مسعود
*** و ممّا يجدر التنبّه له أنّ عامّة الكوفيّين من مفسّرين و فقهاء و محدّثين، كان طابعهم الولاء لأهل البيت عليهم السلام و قد خُصّ أصحاب ابن مسعود بالميل لعليّ عليه السلام الأمر الذي كانت البيئة الكوفيّة تستدعيه بالذات، على أثر وفرة العلماء من صحابة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هناك.
و لا غرو فإنّهم أعرف بموضع أهل البيت و لا سيّما سيّدهم و كبيرهم عليّ بن أبي طالب، من رسول اللّه، و كثرة وصاياه بشأنهم، و التمسّك بأذيالهم و السير على هديهم، فلا يضلّوا أبدا.
و من ثَمّ فقد امتازت الكوفة في أُمور جعلتها في قمّة العظمة و الإكبار، على مدى الدهور:
أوّلًا: كانت مَهجر علماء الصحابة الأخيار و أعلام الامّة الكبار، و بلغ أوجها عند مهاجرة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. أخرج ابن سعد عن إبراهيم، قال: هبط الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، و سبعون من أهل بدر. و بذلك قال ابن عمرو: ما من يوم إلّا ينزل في فراتكم هذا مثاقيل من بركة الجنّة. كناية عن مهاجرة أصحاب الرسول إليها فوجا فوجا[١].
و ثانيا: أصبحت معهد العلم في الإسلام في دور نضارته و ازدهار معارفه، فمن الكوفة صدرت العلوم و المعارف الإسلاميّة، بشتّى أنحائها إلى البلاد، و سارت به الركبان إلى الأمصار في عهد طويل. أخرج ابن سعد- أيضا- عن عبيد اللّه بن موسى، قال: أخبرنا عبد الجبّار بن عبّاس عن أبيه، قال: جالستُ عطاء، فجعلت أسأله. فقال لي: ممّن أنت؟ فقلت:
من أهل الكوفة. فقال عطاء: ما يأتينا العلم إلّا من عندكم[٢].
و ثالثا: كانت أرضا خصبة لتربية ولاء آل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في نفوس مؤمنة صادقة في إيمانها، مؤدّية أجر رسالة نبيّها، حافظة لكرامة رسول اللّه في ذرّيّته الأنجاب، عارفة بأنّهم سُفُن النجاة، و أحد الثقلين، و العروة الوثقى التي لا انفصام لها، و من ثَمّ روى ابن سعد: «إنّ
[١] -. الطبقات لابن سعد، ج ٦، ص ٤، س ١٥ و ٢٠ ط ليدن.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٥، س ٢٠.