التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٢ - ٢ عبد الله بن مسعود
*** ٢. عبد اللّه بن مسعود
و أمّا عبد اللّه بن مسعود، فهو من السابقين في الإيمان، و أوّل من جهر بالقرآن بمكّة، و أسمعه قريشا بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و أُوذي في اللّه من أجل ذلك. و كان قد أخذه رسول اللّه إليه، فكان يخدمه في أكثر شؤونه، و هو صاحب طهوره و سواكه و نعله، و يُلبسه إيّاه إذا قام، و يخلعه و يحمله في ذراعه إذا جلس، و يمشي أمامه إذا سار، و يستره إذا اغتسل، و يوقظه إذا نام، و يلج داره بلا حجاب، حتّى لقد ظُنَّ أنّه من أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم.
هاجر الهجرتين، و صلّى إلى القبلتين، و شهد المشاهد كلّها مع رسول اللّه.
كان من أحفظ الناس لكتاب اللّه، و كان رسول اللّه يُحبّ أن يسمع القرآن منه، و كان صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «من سرّه أن يقرأ القرآن غضّا طريّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن امّ عبد». و كان حريصا على طلب العلم و لا سيّما معاني آيات القرآن الكريم، قال: كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات، لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ و العمل بهنّ، و من ثمّ كان يقول: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب اللّه إلّا و أنا أعلم فيم نزلت و أين نزلت، كما كان شديد الحرص أيضا على بثّ العلم و نشره بين العباد.
قال مسروق بن الأجدع: كان عبد اللّه يقرأ علينا السورة ثمّ يحدّثنا فيها و يفسّرها، عامّة النهار، و قد أذعن له عامّة صحابة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بالفضيلة و العلم بالكتاب و السنّة[١].
و من ثمّ كانت له مكانة سامية في التفسير، و بذلك طار صيته، و عنه في التفسير الشيء الكثير، و الطرق إليه متقنة.
قال الخليليّ في الإرشاد: و لإسماعيل السُدّيّ تفسير يورده بأسانيد إلى ابن مسعود و ابن عبّاس. و روى عن السدّيّ الأئمّة، مثل الثوريّ و شعبة، و أضاف: أنّ أمثل التفاسير
[١] -. حلية الأولياء، ج ١، ص ١٢٤- ١٣٩؛ أُسد الغابة، ج ٣، ص ٢٥٦- ٢٦٠؛ الاستيعاب بهامش الإصابة، ج ٢، ص ٣١٦- ٣٢٤؛ الإصابة، ج ٢، ص ٣٦٨- ٣٧٠.