التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩١ - ١ علي بن أبي طالب عليه السلام
و متشابهها، و خاصّها و عامّها. و دعا اللّه أن يعطيني فهمها و حفظها. فما نسيت آية من كتاب اللّه و لا علما أملاه عليّ و كتبته، منذ دعا اللّه لي بما دعا. و ما ترك شيئا علّمه اللّه من حلال و لا حرام، و لا أمر و لا نهي كان أو يكون، و لا كتاب مُنزَل على أحد قبله من طاعة أو معصية، إلّا علّمنيه و حفظته، فلم أنس حرفا واحدا. ثمّ وضع يده على صدري و دعا اللّه لي أن يملأ قلبي علما و فهما و حكما و نورا. فقلت: يا نبيّ اللّه- بأبي أنت و أُمّي- منذ دعوتَ اللّه لي بما دعوت، لم أنس شيئا و لم يَفُتني شيء لم أكتبه، أ فتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد؟ فقال: لا، لستُ أتخوّف عليك النسيان و الجهل!»[١].
و قد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لعليّ عليه السلام: «إنّ اللّه أمرني أن أُدنيك و لا أُقصيك، و أن أُعلّمك و لا أجفوك. فحقيق عليَّ أن أُعلّمك، و حقيق عليك أن تعي»[٢].
*** و في الخطبة القاصعة- من نهج البلاغة-:
و قد علمتم موضعي من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بالقرابة القريبة، و المنزلة الخصيصة. وضعني في حِجره و أنا ولدٌ، يضمّني إلى صدره، و يكنفني إلى فراشه، و يُمسّني جسده، و يُشِمّني عَرْفه[٣]. و كان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه. و ما وجد لي كذبةً في قول، و لا خَطلةً[٤] في فعل.
و لقد قرن اللّه به صلى الله عليه و آله و سلم، من لدن أن كان فطيما أعظم ملَك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، و محاسن أخلاق العالم، ليله و نهاره. و لقد كنتُ أتّبعه اتّباع الفصيل أَثَر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَما، و يأمرني بالاقتداء به. و لقد كان يجاور في كلّ سنة بِحِراءَ، فأراه و لا يراه غيري. و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و خديجة و أنا ثالثهما. أرى نور الوحي و الرسالة، و أشمُّ ريح النبوّة. و لقد سمعت رَنَّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه و آله و سلم فقلت: يا رسول اللّه، ما هذه الرنّة؟
فقال: هذا الشيطان أيسَ من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع، و ترى ما أرى، إلّا أنّك لستَ بنبيّ و لكنّك لوزير. و أنّك لعلَى خير ...[٥].
[١] -. الكافي، ج ١، ص ٦٤، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، رقم ١.
[٢] -. المعيار و الموازنة، ص ٣٠١.
[٣] -. بفتح العين: رائحته الذكيّة.
[٤] -. الخطل: الخطأ ينشأ من عدم الرويّة.
[٥] -. نهج البلاغة، الخطبة رقم ١٩٢.