التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٦ - هم درجات عند الله
إلى السير[١].
قال الفرّاء: جاء التفسير بأنّه التنقّص. و العرب تقول: تحوّفته- بالحاء المهمله-:
تنقّصته من حافاته[٢].
و معنى الآية- على ذلك-: أنّه تعالى يُهلكهم على تدرّج شيئا فشيئا، بما يجعلهم على خوف الفناء؛ حيث يرون أنّهم في تنقيص، و الأخذ من جوانبهم تدريجا، و هذا نظير ما ورد في آية اخرى: «أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها»[٣] و قوله:
«وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ»[٤].
*** و أيضا أخرج أبو عبيدة من طريق مجاهد عن عبد اللّه بن عبّاس، قال: كنت لا أدري ما «فاطِرِ السَّماواتِ» حتّى أتاني أعرابيّان يتخاصمان في بئر. فقال أحدهما: أنا فطرتها، و الآخر يقول: أنا ابتدأتها ...[٥].
قال الذهبيّ: فإذا كان عمر بن الخطّاب يخفى عليه معنى «الأبّ» و معنى «التخوّف»، و يسأل عنهما غيره، و ابن عبّاس- و هو ترجمان القرآن- لا يظهر له معنى «فاطر» إلّا بعد سماعه من غيره، فكيف شأن غيرهما؟! لا شكّ أنّ كثيرا منهم كانوا يكتفون بالمعنى الإجماليّ للآية: فيكفيهم- مثلًا- أن يعلموا من قوله تعالى: «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» أنّه تعداد للنعم التي أنعم اللّه بها عليهم، و لا يلزمون أنفسهم بتفهّم معنى الآية تفصيلًا، ما دام المراد واضحا
[١] -. مجمع البيان، ج ٦، ص ٣٦٣.
و الرحل: القتب و هو ما يجعل على ظهر البعير كالسرج للفرس. و التامك: السنام، لارتفاعه، يقال: تمك السنام تُموكا إذا طال و ارتفع. و القرد: الذي تجعّد شعره فصار كأنّه وقاية للسنام. و النبع: شجر للقسيّ و السهام. و السفن: ما يُنحت به كالمبرد و نحوه. و معنى البيت: أنّ الرحل قد أخذ من جوانب السنام فجعل يأكله و ينقص من أطرافه، رغم سموكه و تجعّده بالشعر المتلبّد. كما يأخذ المِبرد من أطراف عود النبعة لبريه سهما أو قوسا.
[٢] -. معاني القرآن للفرّاء، ج ٢، ص ١٠١.
[٣] -. الأنبياء ٤٤: ٢١. و نظيرتها آية اخرى في سورة الرعد( ١٣): ٤١« أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ ...».
[٤] -. البقرة ١٥٥: ٢.
[٥] -. الإتقان، ج ٢، ص ٤ ط ٢ و ج ١، ص ١١٣( ط ١)