التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٣ - هم درجات عند الله
و آخر أسود، أحدهما عن الآخر في ضوء الفجر، فأخذ عقالين أبيض و أسود و جعلهما تحت وسادة، فجعل ينظر إليهما فلا يتبيّن له أحدهما عن الآخر، فلمّا أصبح غدا إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يُخبره بما صنع، فضحك رسول اللّه من صنيعه ذلك، حتّى بدت نواجذه، و في رواية، قال له: إنّ وسادك إذن لعريض- كنايةً عن عدم تنبّهه لحقيقة الأمر- ثمّ قال له:
إنّما ذاك بياض النهار من سواد الليل[١]، إنّه البياض المعترض على الأُفق تحت سواد الليل المنصرم. و في الدرّ المنثور: لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال و لا الفجر المستطيل- و هو الساطع المُصعَد- و لكنّ الفجر المستظهر في الأُفق، هو المعترض الأحمر، يلوح إلى الحمرة. و في حديث: لا يمنعكم أذان بلال من سحوركم فإنّه ينادي بليل، فكلوا و اشربوا حتّى تسمعوا أذان ابن امّ مكتوم، فإنّه لا يؤذّن حتّى يطلع الفجر[٢].
قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: «الفجر هو الخيط الأبيض المعترض، و ليس هو الأبيض صُعُدا»[٣].
*** و زعمت عائشة من قوله تعالى: «يُؤْتُونَ ما آتَوْا» إرادة ارتكاب المآثم، الأمر الذي يتنافى مع سياق الآية الواردة بشأن الإشادة بموضع المؤمنين حقّا، قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ- إلى قوله- وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى
[١] -. فتح الباري بشرح البخاريّ لابن حجر، ج ٤، ص ١١٣- ١١٤؛ تفسير الطبريّ، ج ٢، ص ١٠٠.
[٢] -. الدرّ المنثور، ج ١، ص ٢٠٠.
هكذا رواه القوم بشأن بلال و ابن امّ مكتوم، و لعلّه اشتباه من الراوي أو الناسخ؛ لأنّ بلالًا كان هو المؤذّن المعتمد عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و الأصحاب. و كان ابن امّ مكتوم مكفوفا، يؤذّن قبيل طلوع الفجر، و كان ذلك سبب تشريع أذانين. و قد تداوم عليه أهل المدينة، حتّى اليوم.
قال أبوجعفر الصدوق: كان لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم مؤذّنان، بلال و الآخر ابن امّ مكتوم و كان أعمى، و كان يؤذّن قبل الصبح. و كان بلال يؤذّن بعد الصبح، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ ابن امّ مكتوم يؤذّن بالليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا، حتّى تسمعوا أذان بلال. فغيّرت العامّة هذا الحديث عن جهته، و قالوا: إنّه عليه السلام قال: إنّ بلالًا يؤذّن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا حتّى تسمعوا أذان ابن امّ مكتوم من لايحضره الفقيه، ج ١، ص ١٩٣- ١٩٤.
[٣] -. وسائل الشيعة، ج ٣، ص ١٥٣، باب ٢٧، المواقيت، رقم ٤.