التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٦ - أوجه بيان النبي لمعاني القرآن
و قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ»[١]؛ إذ ليس المراد مطلق الظلم، بل هو «الشرك» خاصّة. روي ذلك عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم[٢]، و هكذا فسّر اليد (في القطع بالسرقة[٣] باليمين من مَفصِل الأصابع. و مثله جلد الزاني المتقيّد بغير المحصن.
و أيضا قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ»[٤]. فقد كان الميراث بعد إخراج ما أوصى به الميّت و كذا دينه. فالدَين مطلق، أمّا الوصيّة فقيّدت بما إذا لم تتجاوز ثلث التركة بعد وضع الدَين. فهذا التقييد تعرّضت له السنّة، و كان قد أُبهم في القرآن إبهاما.
الوجه الثالث: ما إذا ورد عنوان خاصّ في القرآن، و كان متعلّقا لتكليف، أو قيدا في عبادة مثلًا، و لكنّه كان مصطلحا شرعيّا من غير أن يكون مفهومه العامّ مرادا، فهذا أيضا ممّا يجب تبيينه من السنّة. و هذا في جميع المصطلحات الشرعيّة- أي الحقائق الشرعيّة على حدّ تعبيرهم- ممّا لم تكن لها سابقة في العرف العامّ.
و هذا كما في الصلاة و الزكاة و الحجّ و الجهاد و ما شاكل، إنّها مصطلحات شرعيّة خاصّة[٥]، لا بُدّ لمعرفة حقائقها و ماهيّاتها من مراجعة الشريعة، كما كان يجب الرجوع إليها لمعرفة أحكامها و شرائطها؛ إذ ليست الصلاة مطلق الدعاء و المتابعة- كما هي في اللغة و العرف العامّ غير الإسلاميّ- بل عبادة خاصّة ذات كيفيّة و أفعال و أذكار خاصّة، أعلن بها الشرع الحنيف، و تصدّى لبيانه الرسول الكريم، قال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي».
و هكذا ليست الزكاة مطلق النموّ، بل إنفاق خاصّ في كيفيّة خاصّة، توجب تنمية المال بفضل اللّه تعالى إن وقعت عن صدق و إخلاص، الأمر الذي جاء تبيينه في السنّة الشريفة. و مثلها الحجّ ليس مطلق القصد، و كذا الجهاد ليس مطلق الاجتهاد و السعي،
[١] -. الأنعام ٨٢: ٦.
[٢] -. مجمع البيان، ج ٤، ص ٣٢٧.
[٣] -. المائدة ٣٨: ٥.
[٤] -. النساء ١٢: ٤.
[٥] -. المقصود بالشرع: مطلق الشرائع الإلهيّة و ليس شرع الإسلام فحسب. نعم، لم تكن هذه المفاهيم ممّا وضعه العرف العامّ و لا اللغة، و إنّما هو أمر جاء به الشرع في مصطلحه الخاصّ.