التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٩ - هل تناول النبي القرآن كله بالبيان؟
و هكذا حدّث أبو أُمامة ابن سهل بن حنيف[١] قال: كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقولون: إنّ اللّه ينفعنا بالأعراب و مسائلهم، قال: أقبل أعرابيّ يوما فقال: يا رسول اللّه، لقد ذكر اللّه في القرآن شجرة مؤذية، و ما كنت أرى أنّ في الجنة شجرة تؤذي صاحبها! فقال رسول اللّه: و ما هي؟ قال: السدر، فإنّ لها شوكا. فقال رسول اللّه: «فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ»[٢] يخضد اللّه شوكه فيجعل مكان كلّ شوكة ثمرةً، فإنّها تنبت ثمرا، تَفتُق الثمرةُ معها عن اثنين و سبعين لونا، ما منها لونٌ يُشبه الآخر[٣].
و من ثمّ كان ابن مسعود يقول: واللّه الذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب اللّه إلّا و أنا أعلم فيم نزلت و أين نزلت. و هكذا تواتر عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، و تلميذه ابن عبّاس، و غيرهم من علماء الصحابة، حسبما يأتي في تراجمهم.[٤]
هل تناول النبيّ القرآن كلّه بالبيان؟
عقد الاستاذ الذهبيّ بابا ذكر فيه الجدل بين فريقين، يرى أحدهما: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قد بيّن لأصحابه معاني القرآن كلّه إفرادا و تركيبا. و يترأّس هذا الفريق أحمد بن تيميّة، كان يرى أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بيّن جميع معاني القرآن كما بيّن ألفاظه؛ لقوله تعالى: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»[٥] فإنّه يشمل الألفاظ و المعاني جميعا.[٦]
و الفريق الثاني- و يترأّسهم الخُوَيّيّ و السيوطيّ-: يرون أنّه لم يبيّن سوى البعض القليل، و سكت عن البعض الآخر، ثمّ فرض لهم دلائل، أهمّها ما أخرجه البزّار عن عائشة، قالت: ما كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يفسّر شيئا من القرآن إلّا آيا بعدد، علّمه إيّاهنّ جبريل[٧].
[١] -. اسمه أسعد، سمّاه بذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و دعا له و برك عليه تُوفّي سنة ١٠٠ ه. و هو ابن نيّف و تسعين( أُسد الغابة لابن الأثير، ج ٥، ص ١٣٩).
[٢] -. الواقعة ٢٨: ٥٦.
[٣] -. أخرجه الحاكم و صحّحه، المستدرك على الصحيحين، ج ٢، ص ٤٧٦.
[٤] -. عند الكلام عن دور الصحابة في التفسير.
[٥] -. النحل ٤٤: ١٦.
[٦] -. راجع: مقدّمة في اصول التفسير لابن تيميّة، ص ٥- ٦.
[٧] -. تفسير ابن كثير، ج ١، ص ٦؛ تفسير الطبريّ، ج ١، ص ٢٩.