التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٨ - النبي صلى الله عليه و آله و سلم مفسرا
و سنن و أحكام و آداب، كانت سنّته صلى الله عليه و آله و سلم قولًا و عملًا و تقريرا، كان كلّها بيانا و تفسيرا لمجملات الكتاب العزيز و حلّ مبهماته في التشريع و التسنين. فقد كان قوله صلى الله عليه و آله و سلم:
«صلّوا كما رأيتموني أُصلّي ...» شرحا و بيانا لما جاء في القرآن، من قوله تعالى: «أَقِيمُوا الصَّلاةَ ...»[١] و لقوله: «إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً»[٢] و كذا قوله صلى الله عليه و آله و سلم:
«خذوا عَنّي مناسككم» بيان و تفسير لقوله تعالى: «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...»[٣]، و هكذا فكلّ ما جاء في الشريعة من فروع أحكام العبادات و السنن و الفرائض، و أحكام المعاملات، و الأنظمة و السياسات، كلّ ذلك تفصيل لما أُجمل في القرآن من تشريع و تكليف.
و هكذا كان الصحابة يستفهمونه كلّما تلا عليهم القرآن أو أقرأهم آية أو آيات، كانوا لا يجوزونه حتّى يستعلموا ما فيه من مرام و مقاصد و أحكام؛ ليعملوا بها و يأخذوا بمعالمها.
أخرج ابن جرير بإسناده عن ابن مسعود، قال: كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ و العمل بهنّ. و قال أبو عبد الرحمان السُلَميّ: حدّثنا الذين كانوا يُقرئوننا، أنّهم كانوا يستقرئون من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتّى يعملوا بما فيها من العمل، قال: فتعلّمنا القرآن و العمل جميعا[٤].
نعم، ربّما كانوا يحتشمون هيبة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فتحجبهم دون مسائلته، فكانوا يترصّدون مجيء الأعراب المغتربين عن البلاد، ليسألوه عن مسائل، فيغتنموها فرصة كانوا يترقّبونها.
قال عليّ عليه السلام: و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كان يسأله و يستفهمه، حتّى كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابيّ أو الطارئ فيسأله عليه السلام حتّى يسمعوا ... قال: و كان لا يمرّ من ذلك شيء إلّا سألت عنه و حفظته.[٥]
[١] -. البقرة ٤٣: ٢.
[٢] -. النساء ١٠٣: ٤.
[٣] -. آل عمران ٩٧: ٣.
[٤] -. تفسير الطبريّ، ج ١، ص ٢٧- ٢٨ و ٣٠.
[٥] -. المعيار و الموازنة للإسكافيّ، ص ٣٠٤.