التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢ - المقدمة
و هكذا ظلّ المسلمون يفهمون القرآن على حقيقته، و يعملون به على بيّنة من أمره، أقوياء أعزّاء، في سلامة وسعادة وعيش هنيء، مستمسكين بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. و قد تداومت بهم هذه الحياة العليا طوال عهد الرسالة، و شطرا بعدها غير قليل.
ثمّ خلَفَ من بعدهم خلْف- على تطاول الأيّام- أضاعوا بعض تلكم الطريقة المُثلى، و اتّبعوا السبل، فتفرّقت بهم ذات اليمين و ذات الشمال، ربّما في أهواء متباينة و آراء متضاربة؛ فكانت أحداث و بدع و ضلالات، و ابتداع مذاهب و انحيازات، كلّ يضرب على وتره، و يعمل على شاكلته ..
*** و كان من جرّاء ذلك أن دخلت في الحديث و التفسير دخائل و أساطير مستوردة من أبناء إسرائيل و مسلمة أهل الكتاب، كان يبثّها بين المسلمين فئات تظاهرت بالإسلام إمّا لغلبة الجوّ و المحيط، أو لرغبة فيالدسّ و التزوير.
تلك كانت بليّة المسلمين، و قد كثر الخبط و التخليط، و لم يفترق السليم عن السقيم، و كان نصيب التفسير من هذا الخبط الحظّ الأوفر، بما أُوتي هؤلاء من قدرة للاستحواذ على عقول الضعفاء و أهل الأطماع من الأُمراء.
*** نعم، كانت هناك معايير و مقاييس تميّز الغثّ من السمين، و قد عرّفها النبيّ الكريم صلى الله عليه و آله و سلم للأُمّة منذ أن أحسّ بدخائل أهل الضغائن على الإسلام، ممّن يتّبعون المتشابهات من الآيات ابتغاء الفتنة و ابتغاء التأويل.
فوضع حدودا دون رسوب تلكم الدسائس الخبيثة، و كان من أهمّها: العرض على محكمات الآيات «هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ»، ثمّ اللّجوء إلى العترة الطاهرة «الثَقَل الأصغر» كما في حديث الثَقَلين، و أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض. و عدم الافتراق، يعني:
تلازمهما و لا غناء بأحدهما دون الآخر، فالكتاب أساس الدين، و الطيّبون من العترةحملته و حرسته؛ لأنّهم ورثة سيّد المرسلين صلوات اللّه عليهم أجمعين.