التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٤ - المنع من الترجمة و أخطارها
قبل![١]
قلت: هذا قياس مع الفارق؛ إذ السبب في ضياع التوراة و كذا الإنجيل، إنّما يعود إلى إخفاء الأصل عن العامّة و إبداء تراجمهما المحرَّفة للناس، لغرض التمويه عليهم. كان الأحبار و القساوسة يدأبون في تحريف تعاليم العهدين تحريفا في معاني الكلم دون نصّ اللفظ؛ إذ لم يكن ذلك بمقدورهم، فعمدوا إلى تفسيرهما على غير وجهه، و إبداء ذلك إلى الملأ باسم التعاليم الإلهيّة الأصيلة.
قال تعالى- بشأن التّوراه-: «الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً ...»[٢]، أي تبدون منه مواضع و تخفون أكثره.
و قد ذكرنا- في مسألة صيانة القرآن من التحريف- أنّ التحريف في العهدين إنّما يعني التحريف في معناهما؛ أي التفسير على غير وجهه، الأمر الذي حصل في تراجم العهدين دون نصّهما.
قال تعالى: «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ»[٣] و قال: «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»[٤].
فالكارثة كلّ الكارثة إنّما هي في إخفاء نصّ العهدين الأصليّين عن أعين الناس، و هذا هو السبب الوحيد لضياعهما، دون مجرّد ترجمتهما.
أمّا القرآن فهو الكتاب الذي يتعاهده المسلمون جيلًا بعد جيل، بل العالم كلّه من مسلم معتقِد و آخر محقّق مضطلع، يحرسون على نصّ القرآن العزيز، و قد قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»[٥]، أي في صدور الرجال و على أيدي الناس، الأولياء و الأعداء جميعا، معجزة قرآنيّة خالدة.
[١] -. القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد لمحمّد مصطفى الشاطر، ص ١٥- ١٦.
[٢] -. الأنعام ٩١: ٦.
[٣] -. المائدة ٦٨: ٥.
[٤] -. آل عمران ٩٣: ٣.
[٥] -. الحجر ٩: ١٥.