التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٥ - أساليب الترجمة
مثلًا قوله تعالى: «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً»[١] جاء «غلّ اليد إلى العنق و بسطها كلّ البسط»، كناية عن القبض و البسط الفاحش، أي التقتير و الإسراف في المعيشة و في الإنفاق، و هي كناية معروفة عند العرب و مأنوسة الاستعمال لديهم. فلو أُريد الترجمة بنفس التعبير من لغة اخرى كان ذلك غريبا عليهم حيث لم يألفوه، فربّما استبشعوه و أنكروا مثل هذا التعبير غير المفهم؛ لأنّهم يتصوّرون من مثل هذا التعبير: النهي عن أن يربط إنسان يديه إلى عنقه برباط من سلاسل و أغلال، أو يحاول بسط يديه يمينا و شمالًا بسطا مبالغا فيه. و لا شكّ أنّ مثل هذا الإنسان إنّما يحاول عبثا و يعمل سفها؛ لأنّه يبالغ في إجهاد نفسه و إتعابها من غير غرض معقول، الأمر الذي لا ينبغي التعرّض له في مثل كتاب اللّه العزيز الحميد.
الثاني: أن يحاول إفراغ المعنى في قالب آخر، من غير تقيّد بنظم الأصل و اسلوبه البيانيّ، و إنّما الملحوظ هو إيفاء تمام المعنى و كماله؛ بحيث يؤدّي إفادة مقصود المتكلّم بغير لغته، بشرط أن لا يزيد في البسط بما يخرجه عن إطار الترجمة، إلى التفسير المحض.
نعم، إنّ هكذا «ترجمة معنويّة» قد تفوت بمزايا الكلام الأصل اللفظيّ، و هذا لا يضرّ ما دام سلامة المعنى محفوظة. و هذا النمط من الترجمة هو النمط الأوفى و المنهج الصحيح الذي اعتمده أرباب الفنّ. لا يتقيّدون بنظم الأصل، فيقدّمون و يؤخّرون، و ينظّمون الترجمة حسب أساليب اللغة المترجَم إليها، كما لا يزيدون بكثير على مثال الألفاظ و التعابير التي جاءت في الأصل. فإن حصلت زيادة مطّردة فهو من الشرح و التفسير، و ليس من الترجمة المصطلحة في شيء.
ذكر الشيخ محمّد بهاء الدين العامليّ (١٠٣١ ه.)- نقلًا عن الصفديّ-: أنّ للترجمة طريقين، أحدهما: طريق يوحنّا بن بطريق و ابن الناعمة الحمّصيّ، و هو: أن يعمد إلى كلّ لفظة من ألفاظ الأصل ليأتي بلفظة اخرى ترادفها في الدلالة فيثبتها، و ينتقل إلى اخرى
[١] -. الإسراء ٢٩: ١٧.