التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - صفات فعل
و قد ذهب أهل العدل و التنزيه إلى أنّ مبادئ هذه الصفات غير قائمة بذاته المقدسة، لأنّها أحوال و حوادث، و اللّه تعالى متنزه أن يكون محلّا للحوادث.
و ذهب الأشعري إلى أنّ مبادئ هذه الصفات- أيضا- قائمة بذاته المقدسة، فهو تعالى متكلّم بكلام هو قائم بذاته تعالى، مريد بارادة أزلية قائمة بذاته. و من ثمّ زعم أنّ كلامه تعالى قديم، لأنّ القائم بذات قديمة قديم.
قال أهل العدل و التنزيه: معنى أنّه تعالى يتكلّم: أنّه يخلق الكلام المسموع، و هي عبارة عن اهتزازات و ذبذبات تحدث في أمواج الهواء يخلقها اللّه تعالى عند إرادة الكلام، و أما غيره فيتكلم بآلة، و ان ذاك التموج يحصل بقرع اللسان و الأسنان. قالوا: و ارادته تعالى هو فعله، كالخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة و نحوها. و من ثمّ قالت المعتزلة: كلام اللّه مخلوق و قالت الأشاعرة: غير مخلوق، فكان ذلك الجدل العنيف، و قد ذهبت في طيّه نفوس.
استدلت الأشاعرة بأنّها صفات اشتقاق، فلا بدّ من اثبات مباديها للذات، كما إذا وصفنا بها بعضنا. قال التفتازاني: «ضرورة امتناع اثبات المشتقّ للشيء من غير قيام مأخذ الاشتقاق به»[١].
و تشبث الأشعري بقوله تعالى: «و كلّم اللّه موسى تكليما»- قال: و التكليم هو المشافهة بالكلام، و لا يجوز أن يكون كلام المتكلّم حالّا في غيره، مخلوقا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم[٢].
و بقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ[٣]، دلت الآية على أنّ الأمر شيء غير الخلق. ثمّ قال تعالى: وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ[٤] قال:
و امر اللّه- هنا- هو كلامه تعالى. و بما أنّ الأمر غير مخلوق- كما في الآية الاولى-
[١] شرح العقائد النسفية: ص ٤٤.
[٢] الابانة: ص ٢٢.
[٣] الاعراف: ٥٤.
[٤] الروم: ٢٥.