التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٨ - المعتزلة
حدثت على ذاته المقدسة، فيلزم أن يكون ذاته المقدسة محلّا للحوادث، كما يلزم خلوّه تعالى عن هذه الصفات قبل عروضها، و هو أيضا باطل[١].
و قد اصطلحت الأشاعرة على تسمية مبادئ صفات الذات بالمعاني و مبادئ صفات الفعل بالأحوال. فأنكرت المعتزلة اقتران ذاته المقدسة لا بالمعاني و لا بالأحوال، فقالوا: عالم لا بعلم كما قالوا: متكلم لا بكلام. و هذا معنى نفي الصفات عند المعتزلة، و قد أثبتها الأشاعرة. فقالوا: عالم بعلم، متكلم بكلام، حسبما تقدم.
فوصفه تعالى بأنّه عالم- عند المعتزلة- يعني: أنّه لا يجهل، و لا يحتجب عنه شيء. و وصفه بأنّه قادر، يعني: أنّه لا يعجز، و لا يعجزه شيء. لا أنّ صفة العلم أو صفة القدرة قائمة بذاته، كما في المخلوقين. و من ثمّ قالوا: «خذ الغايات و اترك المبادئ». فان الغاية من العلم هو الانكشاف و رفع الحجاب عن المعلوم. و هذا شيء يقولونه بشأنه تعالى، أمّا انّه متّصف بمبادئ هذه النعوت فلا. ففي صفات الذات قالوا: إنّه تعالى عالم لا بعلم بل بنفسه، قادر لا بقدرة بل بنفسه، و في صفات الفعل قالوا: متكلم لا بكلام بل بخلقه الكلام، و من ثمّ قالوا: إنّ كلام اللّه مخلوق.
و زعمت الأشعرية أنّ ذاته المقدّسة متّصفة بمبادئ هذه النعوت، كما في المخلوقين، لكن لا على نحو اتّصافهم بها، فخبطوا و خلطوا، و لم يحقّقوا من واقع مذهبهم في ذلك: ما ذا أرادوا؟ قال القاضي: «ثمّ نبغ الأشعري، و أطلق القول بأنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة، لوقاحته و قلة مبالاته بالاسلام و المسلمين»[٢].
و اتفقت «المعتزلة»- أيضا- على أنّ العبد قادر مختار في أفعاله، خيرها و شرها، و هو الذي يستحقّ- على ما يفعله- المدح و الثواب، أو الذمّ و العقاب،
[١] راجع:« شرح الاصول الخمسة» من ص ١٨٢ فما بعد.
[٢] شرح الاصول الخمسة: ص ١٨٣.