التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٥ - القدرية
يقولون لأهل الجبر- يعني بهم الأشاعرة: أنتم القدرية، و أهل الجبر يقولون لأهل العدل: أنتم القدرية. و إنّما تبرأ الجميع من ذلك، لأنّهم رووا-
من طريق أبي هريرة- عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه لعن القدرية، و قال: إنّهم مجوس هذه الامة، ان مرضوا فلا تعودوهم، و إن ماتوا فلا تشهدوهم»[١].
قلت: أمّا الحديث فمفتعل بلا ريب. قال أبو حاتم: «و هذا الحديث باطل». و قال النسائي: «هذا الحديث باطل كذب». و يذكر ابن الجوزي حديث لعن القدرية، ثمّ يعقب: «هذا حديث لا شك في وضعه»[٢].
أمّا استدلال الأشعري فلا يعدو مغالطة مفضوحة، إذ «القدرية» نسبة إلى القول بالقدر- بفتحتين- كالجبرية نسبة إلى القول بالجبر، و ليس اشتقاقا من القدرة بمعنى الاستطاعة. هذا فضلا عن أنّ القياس بالصائغ، قياس مع الفارق بعد أن كانت الكلمة المبحوث عنها «قدرية»- بياء نسبة- لا «قادر» اسم فاعل.
و عليه فلو صحّ الحديث- و لم يصحّ- كان انطباقه على مذهب الأشعري، القائل بالقدر، و سلب قدرة العباد، أولى من انطباقه على مذهب الاعتزال، القائل باستقلال العباد في اختياراتهم للافعال. فالقدرية- على ذلك- هم الجبرية من غير فرق.
و كذلك اذنابهم من الفرق المتأخرة كالتيميّة و الوهابية، على ما سنرمز اليهم في الفصل القادم على الهامش.
و إذ قد تبيّنا المذاهب التي عملت في تشويه مفاهيم الاسلام، و كانت
[١] كنز الفوائد للكراجكي: ص ٤٩.
[٢] راجع: الموضوعات لابن الجوزي: ج ١، ص ٢٧٥- ٢٧٦. و جاء في مسند أحمد و غيره ما يناقض الحديث المذكور.
فقد روى ابن عمر عن النبيّ( صلّى اللّه عليه و آله) انه قال:« لكل امة مجوس، و مجوس امّتي الذين يقولون: لا قدر. ان مرضوا فلا تعودوهم، و ان ماتوا فلا تشهدوهم». المسند: ج ٢ ص ٨٦.