التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧ - الإحكام و التشابه
و لا يخفى الفرق بين المتشابه المحتاج الى التأويل، و المبهم المفتقر إلى التفسير، حيث لا تشابه في الأخير و لا هو موضع ريب و لا شبهة، و إنّما احاطت بالآية هالة من الإبهام لاسباب نذكرها، فيعمد المفسّر إلى ازاحة ذلك الغبار و رفع ذلك الستار.
و من ثمّ قد تجتمع في الآية مواضع من الإبهام، إلى جنب مواضع التشابه معا، و قد تختص بأحد الأمرين دون الآخر، نظير الأمرين اللذين بينهما نسبة العموم من وجه، حسب المصطلح.
فممّا اجتمع فيه الأمران (مواضع التشابه و الابهام معا) قوله تعالى فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ[١].
أمّا التشابه فمن جهة نسبة الهداية و الاضلال اليه تعالى مجده، و أمّا الإبهام فمن جهة كيفيّة حصول ذلك الانشراح و ذلك التضايق في المهتدي و الضال، ثمّ كيف وجه التشبيه بمحاولة الصعود إلى السماء؟ و ستأتي الاجابة على كل هذه الأسئلة ..[٢].
و قد لا يكون في الآية المتشابهة موضع إبهام، حسب ظاهرها اللفظي، و إنما جاءها التشابه من قبل سموّ المعنى و علوّ المستوى. و من ثمّ قد تزعم العامّة وضوح معناها في توغّلها في الإبهام المعنوي بالنسبة إلى اولئك العوام، كقوله
[١] الأنعام: ١٢٥.
[٢] و ملخّص الاجابة على الجهة الاولى: ان الهداية هنا بمعنى التوفيق و هو تمهيد الاسباب نحو الخير، و لا يكون ذلك إلّا لمن استهدى و استقام على الهدى. و الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ...
و الاضلال معناه الخذلان، فلما زاغوا ازاغ اللّه قلوبهم. و ذلك مغبّة اصرارهم على الغيّ و العناد ... و سيأتي ذلك في مبحث الهداية و الاضلال.
و امّا الجهة الثانية: فالتشبيه إنما وقع باعتبار ان المحاول للتصعّد في طبقات الجوّ، تتضايق انفاسه، على اثر هبوط ضغط الهواء من خارج جسمه، فلا يتعادل مع صعود ضغط الدم من داخل جسمه ..
فاول ما يحسّ به الصاعد في اعالي الجوّ، هو تضايق نفسه ثم نفث الدم من منافذ بدنه ...
و سيأتي ذلك في مباحث الاعجاز، القسم العلمي، في فصول قادمة ان شاء اللّه.