التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٩ - الجبرية
و نحن نشك في هذه النسبة التي جاءت من قبل خصوم كانوا لا يتورعون الكذب و الافتراء في سبيل تفريق شمل المسلمين.
الثانية: جبرية ملتوية، و هي التي أثبتت لقدرة العبد أثرا ما في الفعل على جهة الكسب لا الايجاد، لان الموجد لافعال العباد كلها هو اللّه تعالى، فقالوا: العبد مكتسب لفعله، و ليس بقادر على ايجاده، و هذا القول منسوب إلى «النجارية» أصحاب «الحسين بن محمد النجار» المعتزلي. نسب إليه أنّه قال: «اللّه خالق أعمال العباد، خيرها و شرها، حسنها و قبيحها، و العبد مكتسب لها». قال الشهرستاني: «أثبت النجار للقدرة الحادثة- أي قدرة العبد، تجاه قدرة اللّه القديمة- تأثيرا. و سمى ذلك كسبا، على حسب ما يثبته الأشعري»[١].
و هذا هو مذهب الأشعري بالذات، أثبت للعبد اكتسابا تجاه من أثبت له الاختيار و القدرة المستقلة. و لم يفصح عن مذهبه هذا ما يكون حدا فاصلا بين الجبر و الاختيار، و من ثمّ حار اتباعه في تفسير «الكسب» بوجه مقنع. و قد وجه القاضي عبد الجبار سؤاله إلى القائلين بالكسب: «عقلونا معنى الكسب و خبرونا عنه. فان اشتغلوا بالتحديد، قلنا: الشيء يعقل أوّلا ثمّ يحد. ثمّ يقال لهم: و ما هو الذي حددتم به الكسب؟ فان قالوا: ما وقع بقدرة محدثة، قلنا:
ما تعنون بقولكم: ما وقع بقدرة محدثة؟ فإن أردتم به ما حدث، فهو الذي نقوله، و إن أردتم به ما وقع كسبا، فعن الكسب سألناكم، فكيف تفسرونه بنفسه، و هل هذا الا إحالة بالمجهول على المجهول؟»[٢].
قال سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني- بصدد توضيح الكسب-: «فان قيل: لا معنى لكون العبد فاعلا بالاختيار، إلّا كونه موجدا لأفعاله بالقصد و الإرادة، و قد سبق أنّ اللّه تعالى مستقلّ بخلق الأفعال و ايجادها، و معلوم أنّ
[١] الملل و النحل للشهرستاني: ج ١، ص ٨٩.
[٢] شرح الاصول الخمسة للقاضي: ص ٣٦٦- ٣٦٧.