التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢ - الأشعرية
تدخلت الحكومة تدخلا رسميا لفض المنازعات المذهبية، ففي عام ٤٠٨ ه أصدر الخليفة القادر باللّه العباسي كتابا ضد المعتزلة، فأمرهم بترك الكلام و التدريس و المناظرة في الاعتزال، و أنذرهم- ان خالفوا أمره- بحلول النكال و العقوبة. و انتهج السلطان محمود في غزنة نهج الخليفة في بغداد، في صلب المخالفين و نفيهم و حبسهم، و أمر بلعنهم على المنابر. قال ابن الجوزي: «و صار ذلك سنة في الإسلام»[١].
و صدر في بغداد كتاب آخر سمي «الاعتقاد القادري»، و ذلك في ١٧ المحرم سنة ٤٠٩ ه و قرئ في الدواوين، و كتب الفقهاء فيه: «إنّ هذا اعتقاد المسلمين و من خالفه فقد فسق و كفر» جاء في الكتاب: «و هو القادر بقدرة، و العالم بعلم، أزلي غير مستفاد، و هو السميع بسمع، و المبصر ببصر، متكلم بكلام، لا يوصف إلّا بما وصف بها نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كلّ صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله، فهي صفة حقيقية لا مجازية، و أنّ كلام اللّه غير مخلوق، تكلم به تكليما، فهو غير مخلوق بكلّ حال، متلوا و محفوظا و مكتوبا
[١] المنتظم لابن الجوزي: ص ١٦٥ ب. قلت: و لعل التنكيل بامثال هؤلاء كانت سنة قبل ذلك. فهذا عثمان بن سعيد الدارمي يبتهج بمقتل الجعد بن درهم على يد خالد بن عبد اللّه القسري. قال: خطب خالد بواسط يوم الأضحى( عام ١١٨ ه) فقال: ايها الناس، ارجعوا فضحوا تقبل اللّه منّا و منكم، فاني مضح بالجعد بن درهم، انه زعم ان اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا و لم يكلم موسى تكليما، و تعالى عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه.
انظر:« الرد على الجهمية» للدارمي: ص ٤. و الجعد هذا كان معتزليا، و هو اول من قال بخلق القرآن، و نفي الصفات عن الذات، و كان يقول بالقدر. نعم كانت له مخاريق فرجع عنها، منها: انه جعل في قارورة ترابا و ماء فاستحال دودا و هوام، فقال: انا خلقت هذا لاني كنت سبب كونه.
فبلغ ذلك الامام جعفر بن محمد الصادق( عليه السلام)
فقال: فليقل: كم هو، و كم الذكران منه و الاناث، إن كان خلقه. و ليأمر الذي يسعى الى هذا ان يرجع الى غيره. فبلغه ذلك فرجع. لسان الميزان لابن حجر: ج ٢ ص ١٠٥، و الكامل لابن الاثير: ج ٤ ص ٣٣٢- بيروت، و الاعلام للزركلي:
ج ٢ ص ١١٤، و الملل و النحل: ج ١ ص ٨٦، و البداية و النهاية لابن كثير: ج ٩ ص ٣٥٠.