التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١ - الأشعرية
عبد اللّه بن قيس أبي موسى الأشعري[١] صاحب عمرو بن العاص في قضية التحكيم. كان أبو الحسن في بدء أمره معتزليا، و كان يتتلمذ على امام المعتزلة في عصره أبي على محمد بن عبد الوهّاب الجبائي[٢] فخالفه في مناظرة وقعت بينه و بين استاذه[٣].
و في نهاية المناظرة قال الجبائي للأشعري: إنّك مجنون، فقال: لا، بل وقف حمار الشيخ في العقبة. فرجع الأشعري عن عقيدة الاعتزال[٤] و قام في نصرة «الصفاتية» و تاب من القول بالعدل و خلق القرآن، في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، و رقى كرسيا و نادى بأعلى صوته: «من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، و أنّ اللّه لا تراه الأبصار، و أنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها، و أنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم و معايبهم»[٥].
و أصبح أبو الحسن الأشعري- بعد ذلك- شيخ أهل السنّة و الجماعة[٦] و أخذ مذهبه ينتشر في الناس انتشارا بطيئا حتى أوائل القرن الخامس، حيث
[١] هلك سنة ٤٤ ه، كان في وقعة الجمل واليا على الكوفة، أمّره أمير المؤمنين( عليه السلام) عليها.
فارسل أمير المؤمنين يدعو أهل الكوفة لينصروه، لكن أبا موسى الأشعري كان يثبّطهم، فعزله أمير المؤمنين، و كان منعزلا حتى أيّام التحكيم بصفين فخدعه عمرو بن العاص. فارتدّ أبو موسى إلى الكوفة و هلك بها.
[٢] توفّي سنة ٣٠٣ ه. له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة.
[٣] المناظرة نقلها ابن خلكان في ترجمة الجبائي برقم: ٦٠٧ ج ٤ ص ٢٦٧- ٢٦٨.
[٤] قال ابن الجوزي في المنتظم ص ٧١:« ان الأشعري ظل على مذهب المعتزلة زمانا طويلا( أربعين سنة) ثمّ تركه و اتى بمقالة، خبط بها عقائد الناس». راجع: هامش الحضارة الاسلامية: ج ١ ص ٣٧٨.
[٥] راجع: ابن خلكان برقم: ٤٢٩ ج ٣ ص ٢٨٥. و قد خص الأشعري من كتابه« مقالات الاسلاميين» فصولا مشبعة بعرض آراء المعتزلة.
[٦] هذه السمة وسمه بها أرباب التراجم و أصحاب الحديث من الحشوية، لا سيما ابن تيمية الحرّاني في كتابيه: المنهاج و الموافقة. و تقدم عن الشهرستاني في الملل و النحل: ج ١ ص ٩٣.