التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤ - تمهيد
«الرحمن على العرش استوى» كيف استوى؟ فوجد مالك من مقالته، و علته الرحضاء، و أطرق برأسه. و بعد أن سرى عنه قال: «الكيف غير معقول، و الاستواء منه غير مجهول، و الايمان به واجب، و السؤال عنه بدعة. و إنّي لأخاف ان تكون ضالّا، ثمّ أمر بالرجل فأخرج من المسجد»[١].
و في رواية: و زاد «من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه».
و سأل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية، فقال: «الرحمن على العرش استوى، كما قال عزّ و جلّ، و إنّي لأراك ضالّا».
و سئل ابن راهويه عن الاستواء: أ قائم هو أم قاعد؟ فقال: «لا يمل عن القيام حتى يقعد، و لا يملّ عن القعود حتّى يقوم، و أنت إلى غير هذا السؤال أحوج»[٢].
تلك كانت طريقة السلف ممن كانت تعوزهم كفاءة التجوال في ميادين البحوث النظرية العريقة، و بذلك سموا: «الصفاتية»، أي الذين أخذوا بظواهر الصفات و إن لم يدركوا حقائقها. و تشعبت منهم «المشبهة» الذين أخذوا من ظاهر الصفات دليلا على اثبات مفاهيمها المعهودة عندهم لذاته تعالى، تشبيها بغيره من المخلوقين. و منهم: «الكرامية» أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرام[٣] كانوا ممن يثبتون الصفات إلّا أنّهم انتهوا فيها إلى التجسيم و التشبيه. أمّا «الأشعرية» فكانت امتدادا للصفاتية على ما سنذكر. و أمّا «المعتزلة» فكانوا انتفاضة في وجه السلف الصفاتيين، على يد واصل بن عطاء
[١] نفس المصدر: ص ٢٧. يقال: وجد على كذا أي غضب. و الرحضاء- بضم الراء و فتح الحاء- عرق الحمى يتصبب من جبين المحموم.
[٢] البرهان للزركشي: ج ٢، ص ٧٨.
[٣] كان من سجستان، دعى أتباعه الى تجسيم المعبود و ان له حدّا و نهاية وجهة. و كان حسن الظاهر، و بلغ اتباعه في خراسان وحدها أكثر من عشرين ألفا و كان له مثل ذلك في أرض فلسطين. مات سنة ٢٥٥.