التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧ - من هم الراسخون في العلم؟
من هم الراسخون في العلم؟:
الراسخون في العلم هم من لمسوا من المتشابه وجه التشابه فيه أوّلا، ثمّ تمكنوا من الوصول إلى وجه تخريجه الصحيح في نهاية الأمر، لأنّ فهم السؤال نصف الجواب كما قيل.
إذ الراسخون في العلم هم من عرفوا من قواعد الدين اسسها المكينة، و درسوا من واقع الشريعة اصول مبانيها الرصينة، و من ثمّ إذا ما جوبهوا بما يخالفها في ظاهر اللفظ، عرفوا أنّ له تأويلا صحيحا، يجب التوصل إليه في ضوء تلكم المعارف الأوّلية، و من جدّ في طلب شيء، و كان من أهله، تحصّله في نهاية المطاف. أمّا الجاهل الأعمى فلا يعرف من الدين شيئا سوى ظواهره، من غير أن يميز بين محكماته و المتشابهات.
و الخلاصة: أنّ العلماء الصادقين، بما أنّهم واقفون على قواعد الشريعة، و عارفون بموازين الشرع و مقاييسه الدقيقة، إذا ما عرضت عليهم متشابكات الامور هم قادرون على استنباط حقائقها و على أوجه تخريجاتها الصحيحة.
و من ثمّ فإنّهم يعلمون تأويل المتشابهات بفضل رسوخهم في فهم حقيقة الدين بعناية ربّ العالمين وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[١]، وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً[٢]، الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ[٣]، و قد قال تعالى: وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً[٤]. أو ليس العلم بحقائق الشريعة البيضاء من الماء الغدق؟ إنّها شربة حياة العلم، يفيضها الإله تعالى على من يشاء من عباده المؤمنين، و يطلعهم على أسرار الملك و الملكوت في العالمين.
[١] العنكبوت: ٦٩.
[٢] مريم: ٧٦.
[٣] فصلت: ٣٠.
[٤] الجن: ١٦.