التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٦ - استعجال يونس
استعجال يونس:
قال تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ[١].
مم كان مغاضبا؟ و كيف ظن ان لن يقدر اللّه عليه؟ و بما ذا اعترف على نفسه بالظلم؟
الجواب: انه كان مغاضبا لقومه بسبب اصرارهم على الضلال و المعاندة مع الحق، و قد مكث بين اظهرهم يدعوهم إلى اللّه و هم لا يستجيبونه حتى أيس منهم، و أحس بالعقاب يرفرف على رءوسهم، فأخذ بمغادرتهم لأن العذاب لا ينزل بساحة قوم و فيهم نبي وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ[٢]. فمن وظيفة الأنبياء ان يغادروا مهبط العذاب. فبناء على هذا القانون السماوي غادرهم يونس و لكن من غير استيذان خاص من اللّه في ذلك، علما منه بأن ذلك من وظيفته المتعينة عموما و لا حاجة إلى مراجعة اخرى خاصة! هذا هو الذي أخذه اللّه عليه و حسبه ترك اولى منه لم يكن ينبغي صدوره من مثله و هو نبي كريم.
و هذا معنى قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي كان على يقين من ان ذلك من وظيفته الخاصة فلا نؤاخذه عليها و لا نتضايق بشأنه من أجلها.
لكنه لما علم بخطإ ظنه و انه قد ترك الاولى بشأنه اغتم اغتماما بالغا و أخذ في الاستغفار و الضراعة إلى اللّه تعالى ان يغفر له تلك البادرة التي فرطت منه.
قال تعالى- مناصحا لنبيه ان لا يستعجل في مغادرة قومه من مكة- وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ- حيث استعجل الخروج- إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ
[١] الأنبياء ٨٧- ٨٨.
[٢] الانفال: ٣٣.