التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٥ - فتنة سليمان
الجهاد في سبيل اللّه. و كان الوقت وقت عشي، فاشتغل سليمان بملاحظتهن وفاته تسبيحه المعتاد ذلك الوقت فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا[١].
وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ[٢].
و هذا و ان كان اشتغالا بعبادة عن اخرى، لكن نبي اللّه سليمان فرض ذلك على نفسه ذنبا فاستغفر اللّه منه. قوله: «إنّي احببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب» قال ذلك اغتماما لما فاته من ورده المعتاد[٣].
و قوله: «ردوها عليّ» أي الخيل لعرضها ثانية لغرض التأكد من سلامتهن و صلاحيتهن للجهاد.
و ثانيا- ان المذموم هو الحرص و الظن بما يخص هذه الحياة الدنيا. أمّا ما اريد به وجه اللّه و الدار الآخرة فالطمع البالغ فيه غير مذموم. و من ثمّ نرى نبينا الكريم طلب من امّته الصلاة عليه على مرّ الايام و الدهور. و هل يستغني أحد من رحمة ربه الواسعة؟! أم هل للقناعة و الاقتصاد في تلك المرحلة مفهوم معقول؟! و نبي اللّه سليمان انما طلب منحة الهية اختصاصية يمتاز بها بين سائر الأنبياء حيث كلّ واحد منهم كان يمتاز بجهة هي غالبة على سائر الجهات من شئون نبوته الكريمة. آدم بسجود الملائكة له. نوح بكونه نجي اللّه. إبراهيم بخلّته. موسى بتكليمه. داود بلين الحديد. و تسبيح الجبال معه. عيسى بكونه كلمة اللّه و روحا منه. محمّد خاتم الأنبياء و سيد المرسلين.
فأراد سليمان (عليه السلام) ان يكون امتيازه و طابعه الرباني هو سيطرته على الانس و الجن و الطير و الوحش ليكون مظهر قدرته تعالى على جميع صنوف الخلائق. من غير ان يكون له مطمع في دنيا أو حب في رئاسة هي زائلة لا محالة.
[١] مريم: ١١.
[٢] آل عمران: ٤١.
[٣] تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى: ص ٩٤( ط نجف).