التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٣ - فتنة سليمان
و لعل القاء الدعوة بتلك الصورة كان- أيضا- لأجل اختبار داود، هل تغلبه صورة الدعوى المغرية؟ و هل تثير من عواطفه الرقيقة ضد المحكوم؟ فاذا كان الأمر كذلك كان بعد لم تنضج صلاحيته للقضاء العدل الذي يريده اللّه.
ثالثا: سكوت المدعى عليه محضا تجاه الغوغاء التي اثارها خصمه، و هو لا ينبس ببنت شفة، كل ذلك كانت بواعث للحكم ضده في بادئ الأمر.
لكن داود (عليه السلام) بعد ان تسرع إلى الحكم- فرضيا- رجع إلى رشده على فوره و رأى بنور اللّه انه لم يكن ينبغي منه ذلك التسرع، و لا بدّ ان يستمع إلى الخصم، و لعله ذو حجة قاطعة، و من ثمّ استغفر اللّه على بادرته تلك، و ان لم تكن معصية حيث لم يحكم حكم قضاء، و انما أبدى رأيه الشخصي ازاء تلك الدعوى على فرض صحتها تقديرا.
فلم تكن تلك الظاهرة سوى رحمة من اللّه عليه و عناية خاصة به، تمهيدا لاستخلافه في الأرض، الذي جاء ذكره تعقيبا على الآيات المذكورة يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[١].
نعم، قد يكون في التمثيل بالنعاج، خصوصا في تلك النسبة المرتفعة، تنبيه آخر لداود، روى انه خطب امرأة و كان قد خطبها أيضا آخرون، فاراد أهلها ان يزوجوها من داود اجلالا لمقامه الكريم، و هو لا يدري بالأمر، فنبهه اللّه عليه كي لا تدخل عليه شنعة من الناس فيحسبوه متدخلا في سوم الآخرين[٢].
فتنة سليمان:
قال تعالى: وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ[٣].
[١] ص: ٢٦.
[٢] انظر: مجمع البيان- الوجه الاول- ج ٨ ص ٤٧٢.
[٣] ص: ٣٤.