التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٥ - استعفاء موسى
قال تعالى: وَ إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ. قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي، فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ. وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. قالَ كَلَّا، فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ[١].
و هل ينبغي لمرشح لمقام النبوّة و قد اختاره اللّه و اجتباه من خلقه ان يستعفي منها، ثمّ يدل على غيره؟! و الجواب: ان مقارنة هذه الآية مع آية طه ترفع الاعتراض رأسا. انه (عليه السلام) لم يستعف، و انما سأل ربه أن يمده بمساعد موثوق به من أهله، و أبدى عجزه عن الاستقلال بعبء الرسالة، فاجابه تعالى إلى مسئوله و استجاب دعاءه.
قال تعالى: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً، إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى[٢].
هذه الآية تفسر تماما آية الشعراء و ترفع الاشكال عن مواضع ابهامها رأسا.
مثلا قوله: «فأرسل إلى هارون» ليس معناه: اعفني عن حمل الرسالة و اجعل مكاني هارون! بل المعنى: فأرسل إلى هارون أيضا كي يشاركني في أمري و يؤازرني عليه.
و قوله: «اخاف ان يكذبون». و قوله: «فأخاف أن يقتلون» ليس معناه عدم الثقة بنجاح رسالته، و انما أراد بذلك طلب المزيد من عنايته تعالى و التيسير لأمره «و يسر لي أمري».
كما انه أراد بقوله: «و لا ينطلق لساني» ان يمن عليه بانطلاق لسانه «و احلل عقدة من لساني». و بقوله: «و يضيق صدري» ان يشرح صدره «ربّ
[١] الشعراء: ١٠- ١٥.
[٢] طه: ٢٤- ٣٦.