التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٣ - مخاطرة موسى بنفسه
الكريمة بتسليمها إلى العدو اللّدود.
و هي بادرة غريبة بدرت منه، و لعلها من غير تفكير في عاقبتها، حيث كان (عليه السلام) سريع الغضب في اللّه و من ثمّ لم يكن ينبغي ذلك منه و هو في طريقه إلى صرح النبوة الشامخ. الأمر الذي نسبه إلى عمل الشيطان نظرا لان سورة الغضب هي احدى حبائل الشيطان يستولي بها على مشاعر الانسان و الحئول دون رشده.
و هذا ليس من الاعواء الموبق، حيث لم يكن قتل القبطي معصية، ليكون اغراء إبليس بذلك اغراء لموسى إلى معصية اللّه. بل كان اغراء بما يوجب التغرير بنفسه الكريمة و تعريضها للهلاك، فقد هيج إبليس من غضب موسى ليقدم على قتل القبطي، و بالتالي يقع هو في قبضة السلطات فيقتلونه، و بذلك قد نصب إبليس فخا للقضاء على موسى (عليه السلام). إذن لم يكن ذلك من الاستيلاء الذي ننكره بشأن عباد اللّه المخلصين.
و وجه آخر لعله اسلم من الاشكال، و هو ان المشار اليه في قوله: «هذا من عمل الشيطان» هو السبب الداعي لوقوع القتل، أي لو لا اضلاله للاقباط و استيلاؤه على مشاعر المصريين في تأليههم فرعون و الاستسلام لقيادته الفاسدة، لم تتهيأ موجبات هذا القتل و امثاله مما ابتلى به بنو إسرائيل، و كانت بعثة موسى لاستخلاصهم من نير الذل و الهوان.
و يترجح هذا الوجه بملاحظة وضوح المناسبة بينه و بين التعقيب بقوله «انه عدوّ مضل مبين». أي ظاهر العداوة للانسان. و لا شك ان موسى (عليه السلام) لم يرد اضلال نفسه بل اضلال غيره، و لعلهم هم القبط.
و أمّا قوله: «رب انّي ظلمت نفسي» فيعنى تلك المخاطرة بها و تغريرها للهلاك على أيدي أعداء اللّه. و لا شك انها كانت بادرة غريبة منه، لم تكن تنبغي من مثله و هو على مدارج الصعود إلى مرتبة النبوة السامية. الأمر الذي