التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٧ - تورية إبراهيم
فنبهه اللّه تعالى بخطائه في التشخيص، و انه من المستثنى، و انه ليس من ذلك الأهل الموعود نجاتهم. و لم يكن نفيا لبنوته رأسا، و ذلك لانه تعالى أقره في قوله: «و نادى نوح ابنه». فلولا انه ابنه الحقيقي لما صحّ هذا التعبير بشأنه.
و لكان من حق التعبير ان يقول: «و نادى نوح من كان يزعم أنه ابنه»!.
تورية إبراهيم:
١- قال تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ- إلى قوله- قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ[١].
و هذا من باب تجاهل العارف، و تربية عملية لقومه يعلّمهم كيف يسيرون في طريق الاهتداء إلى الحق و استجلاء الحقيقة.
٢- و قال تعالى: قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، فَسْئَلُوهُمْ، إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ[٢].
جملة «فاسألوهم» معترضة. و الشرط قيد- في واقعه- لقوله: «بل فعله كبيرهم». و هذا من لطيف التورية في الكلام. حيث ظاهر الكلام ان الشرط قيد لجملة الأمر بالسؤال، لكنه انما قصده قيدا لجوابه عن سؤال قومه.
و في هذه التورية فائدة تنبيه ضمائرهم على ان معبودهم الذي اصطنعوه لا يستطيع عملا و لا ينطق كلاما، و هو تعبير لطيف و توبيخ.
٣- و قال تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ[٣]. و هذه مجاملة مع قومه من غير مداهنة و دجل، حيث كانت النظرة في النجوم و التنبّؤ بها رائجة على عهده (عليه السلام) فأراد مماشاتهم في ذلك استجلابا لنظرهم، في حين أنّ النظر في النجوم و التدبر في آياته تعالى مرغوب اليه في الشريعة.
[١] الانعام: ٧٦- ٧٨.
[٢] الانبياء: ٦٣.
[٣] الصافات: ٨٨- ٨٩.