التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
الحقيقة، و هم أهل الزيغ و الانحراف ممن يبغي الفساد بين العباد، و فرقة ثالثة- هم الراسخون في العلم المؤمنون حقا- يقفون عند المتشابه يتأمّلونه بدقيق النظر، و لسان حالهم: أنّ هذا المتشابه كأخيه المحكم- صادر عن مقام الحكمة تعالى و تقدس، فلا بدّ أنّ وراء ظاهره المتشابه حقيقة راهنة تكون هي المقصودة بالذات، و هذه الفكرة عن المتشابه هي التي تدعو المؤمنين حقا الراسخين في العلم إلى البحث و التحقيق عن تخريجه الصحيح.
و الباحث الصادق- أمام المتشابه- لا يضطرب اضطراب الجاهل الذي وضع إيمانه على حرف فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ[١] و لا يتروغ مراوغة المعاند الغاشم، ليجعل من المتشابه ذريعة للعبث و الفساد في الأرض فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ[٢]. و إنّما يقف عنده وقفة المتأمّل الفاحص عن جلي الأمر. و لا شكّ أنّه سوف يحتضن مطلوبه بفضل استقامته و ثباته على إيمانه الصادق، و قد جرت سنة اللّه في خلقه: أنّ من جدّ وجد و من لجّ و لج. قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[٣].
و الخلاصة: انّ الراسخين في العلم، بفضل ثباتهم على العقيدة الصادقة، سوف يهتدون إلى معرفة تأويل المتشابه كما أراده اللّه، و يكون قولهم: «آمنا به كلّ من عند ربّنا» تمهيدا لطلب الحقيقة، و نقطة باعثة نحو البحث عن طرق التحقيق و الفحص.
و هكذا قال الشيخ محمد عبده: و أمّا دلالة قولهم: «آمنّا به كلّ من عند ربّنا» على التسليم المحض، فهو لا ينافي العلم، فإنّهم إنّما سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم، لعلمهم باتفاقه مع المحكم، فهم لرسوخهم في
[١] الحج: ١١.
[٢] آل عمران: ٧.
[٣] العنكبوت: ٦٩.