التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٩ - تنزيه الانبياء
كالكذب و سائر القبائح. فلا يحصل له من العامّة ذلك الانقياد و الاستسلام التام إذا عرفوا منه ذلك. و لأن النبيّ يجب ان يتّبع في جميع أفعاله و أقواله، و هل إذا فعل فاحشة- فرضا- يتابعوه فيها أو يمانعوه، و الأول نقض لغرض الرسالة، و الثاني استصغار بشأنه و قلب لموقفه من كونه منكرا على الناس قبائحهم، فأصبح هو منكرا عليه. و من القبيح جدا أن يكون الآمر بالمعروف تاركا له، و الناهي عن المنكر فاعلا له أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ[١] أي أ فلا تشعرون بقبح هذا الموقف المتناقض في نظر العقلاء! قالت الامامية: جلّ هذا الاستدلال يعم حالته قبل البعثة و بعدها. من غير فرق بين الخطايا أن تكون كبيرة أو صغيرة، بعد أن كانت كلها مما يسلب الثقة به و موجبا لتنفر طباع الناس عنه.
و لسنا الآن بصدد البحث عن مسألة العصمة و جوانبها المترامية. لأنّه خارج عن موضوع كتابنا، و انما يهمنا جانب شبهات ربما تعلقت بها أصحاب الحشو من المسلمين، و غيرهم من الملحدين. فجوّزوا على الأنبياء ارتكاب الذنوب و الخطايا اطلاقا حتى على عهد بعثتهم إلى الناس. و تمسكوا بآيات زعموها ظاهرة في ذلك، و أضافوا اليها أباطيل حاكتها أقاصيص اسرائيلية روّجها العهد الأموي الغاشم فادخلها في التفسير بقوة المال و السيف!.
و لنستعرض الآيات قبل كلّ شيء، و نتبعها بتأويلاتها السليمة أو المأثورة بأسانيد صحيحة عن مهابط وحي اللّه (عليهم السلام) و هم أدرى بما أراده اللّه تعالى في كتابه العزيز الحميد. و ستكون مترتبة حسب ترتيب النبوّات، من لدن آدم (عليه السلام) إلى نبيّا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و نحاول- مبلغ جهدنا-
[١] البقرة: ٤٤.