التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل، لما كان لهم في الايمان به مدح، لأنّ كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل، فانه لا بدّ أن يؤمن به. إنّما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن اللّه تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، و علموا أنّ القرآن كلام اللّه تعالى، و علموا أنّه لا يتكلم بالباطل و العبث. فإذا سمعوا آية و دلت الدلائل القطعية على أنّه لا يجوز أن يكون ظاهرها مرادا للّه تعالى، بل مراده منه غير ذلك الظاهر، ثمّ فوّضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه، و قطعوا بأن ذلك المعنى- أي شىء كان- فهو الحق و الصواب، فهؤلاء هم الراسخون في العلم باللّه، حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر، و لا عدم علمهم بالمراد على التعيين، عن الايمان باللّه و الجزم بصحة القرآن»[١].
قلت: ليس كل من عرف الحق اعترف به و أذعن له، قال تعالى:
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ[٢]. هذا، و المدح على الإيمان عن بصيرة أولى من المدح على إيمان أعمى. قال الإمام البيضاوي:
«مدح الراسخين في العلم بجودة الذهن و حسن النظر، و إشارة إلى ما استعدوا للاهتداء به إلى تأويله، و هو تجرّد العقل عن غواشي الحس»[٣].
و التقييد بالجملة الحالية- هنا- جاء للإشارة إلى نكتة دقيقة، هي: أنّ المتشابه متشابه على كلّ من العالم و الجاهل جميعا، سوى أنّ العالم بفضل علمه بمقام حكمته تعالى، يجعل من المتشابه موضع تأمّله و دقيق نظره، و بذلك يتوصّل إلى معرفة تأويله الصحيح في نهاية المطاف.
توضيح ذلك: أنّ الناس تجاه المتشابه ثلاث فرق: فرقة تستريح إلى ظاهره، و هم غالبية العامّة ممن لا معرفة له باصول معارف الإسلام الجليلة، و فرقة تعمد إلى المتشابه عن قصد التمويه، لغرض تأويله إلى أهداف باطلة، ذريعة إلى تشويه
[١] التفسير الكبير: ج ٧، ص ١٧٧.
[٢] النحل: ٨٣.
[٣] انوار التنزيل: ج ٢، ص ٥.