التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٣ - التكفير بين العموم و الخصوص!
و اليك من الآيات ما تعرضت لظاهرة التكفير:
١- قال تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ[١].
و ربما تواترت الروايات بشأن الصلوات الخمس، إذا قام المسلم فتوضأ فأحسن الوضوء ثمّ صلى الصلوات الخمس، تحاتت خطاياه كما يتحات الورق من الغصن اليابس[٢].
و لنتساءل: هل هذا عام يشمل النادم و المصر؟ أو الكبائر كلها؟ فليرتكب أصحاب الجرائم و الكبائر ما بدا لهم من ذنوب و آثام، و لا مبالاة، فان صلاة واحدة من الصلوات الخمس تذهب بالسيئات كلها، فليصلها ثمّ يعود إلى جناياته و هكذا يذنب الذنوب العظام و يعقبها بصلاة لتكون كفارة عن ذنوبه كلها و مطهرة له من الآثام، حتى و لو كان بانيا على العود و الاقتراف على الاستمرار!؟.
فالصحيح في تفسير الآية أحد وجهين:
الأوّل: اختصاص ذلك بالصغائر، الأمر الذي نلتزم فيه بالتكفير خاصا به. فالصغائر- و هي الذنوب المغفول عنها غالبيا-[٣] مغفورة على شريطة الايفاء
[١] هود: ١١٤.
[٢] انظر: مجمع البيان: ج ٥ ص ٢٠١. و تحات الورق من الشجر- بتشديد التاء-: تناثر و تساقط.
[٣] اختلفوا في تعيين الصغائر و تمييزها عن الكبائر، فقيل: ما اوعد اللّه عليه النار أو أوجب عليه حدا، و قيل: كل ما نهى اللّه فهي كبيرة، لان كبر الذنب انما هو بالقياس الى عظم شأن المولى. و قيل ليست في الذنوب صغيرة الا بالقياس الى اكبر منها، فبعضها اكبر و بعضها اصغر قياسا نسبيا لا حقيقيا. انظر: مجمع البيان: ج ٣ ص ٣٨.
و الصحيح ان هناك كبائر و صغائر. و في بعض الروايات تعداد الكبائر بالخصوص. و هي جميع الذنوب المعروفة، و ربما بلغت سبعين ذنبا تقريبا. و جاء في حديث شرائع الدين عن الامام الصادق( عليه السلام) برواية الأعمش، إشارة الى كثير منها. راجع: بحار الانوار: ج ١٠ ص ٢٢٢- ٢٢٩.
قال الامام الصادق( عليه السلام)« الذنوب كلها شديدة، و أشدها ما نبت عليه اللحم و الدم». الكافي الشريف ج ٢ ص ٢٧٠. و البحار: ج ٧٣ ص ٣١٧. و راجع الكافي: باب الكبائر ج ٢ ص ٢٧٦- ٢٨٧. و باب استصغار الذنوب ص ٢٨٧. و باب الاصرار على الذنب ص ٢٨٨. و غيرها من ابواب مناسبة.
و عليه فالصغيرة عندنا هي الذنوب التي ترتكب عفوا و ربما لا عن قصد و شعور. لكن لا بمثابة تكون عذرا. و ذلك اكثر ما يبتلى به الناس في حياتهم اليومية، من دون ما مبالاة بالتحفظ على حقوق معاشرة الاخوان بتلك الدقة التي عينها الاسلام، و ما أشبه ذلك. و لعلنا في مجال آخر مناسب نتعرض لهذه المسألة بتفصيل و توضيح اكثر.
قال الامام الصادق( عليه السلام):« لا صغيرة مع الاصرار، و لا كبيرة مع الاستغفار» الكافي الشريف: ج ٢ ص ٢٨٨
. اذ الصغيرة انما تقع من المؤمن المحافظ عفوا مرة أو مرتين. اما مع الاصرار فهي خطيئة كبيرة و ربما ذهبت بالايمان. راجع: الكافي: ج ٢ ص ٢٨٤- ٢٨٥.