التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٢ - التكفير بين العموم و الخصوص!
محمّد! قلت: بلى. فقال: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك! قلت: و ما الذي جهلت منه؟ قال: قول اللّه عزّ و جلّ: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها. و اني لما سرقت الرغيفين كانتا سيئتين، و لما سرقت الرمانتين كانتا سيئتين، فهذه أربع سيئات. فلما تصدقت بكلّ واحدة منها كانت لي أربعون حسنة و إذا نقصت منها أربعا بقيت ست و ثلاثون حسنة! قال الامام: قلت له: ثكلتك امك، أنت الجاهل بكتاب اللّه، أما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. انك لما سرقت الرغيفين و الرمانتين كانت أربع سيئات، و لما دفعتها إلى غير أصحابها بغير رضاهم كنت أضفت الى سيئاتك أربع سيئات اخر، و لم تصف لك الأربعون! قال: فجعل يلاحيني[١] فانصرفت و تركته.
قال الامام: «بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يضلّون و يضلّون»[٢].
إذن فلا بدّ من تأويل ما ورد في الكتاب و السنة ما ظاهره عموم التكفير، أمّا باختصاصه ببعض الذنوب كالصغائر مثلا، أو بصورة ما إذا حصل من المرتكب ندم على فرط منه، فإذا قام بحسنة كصلاة و صدقة في سبيل اللّه، كان ذلك من موجبات قبول توبته، أمّا وقوع مطلق الحسنات كفارة لمطلق السيئات كبيرة و صغيرة، سواء أندم عليها أم لم يندم، كان بانيا على تركها أم مصرا على فعلها فهذا مما لا نستطيع الموافقة عليه، ما دام مذهبنا يرى العدل و الحكمة في أفعاله تعالى.
[١] لاحاه: شتمه و أبغضه.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٦ ص ٣٢٧. و معاني الاخبار للصدوق: ص ١٤. و التفسير المنسوب الى الامام العسكري: ص ١٦. و احتجاج الطبرسي: ج ٢ ص ١٢٩- ١٣٠.