التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠١ - التكفير بين العموم و الخصوص!
و بالنسبة إلى جميع السيئات اطلاقا، أم هناك شروط و قيود و تفصيل؟
لا نستطيع- و نحن نرى العدل و الحكمة في ذاته المقدسة- ان نلتزم بعموم التكفير بصورة مطلقة، إذ أقل نتيجة لهذا الالتزام هو اجتراء أهل الكبائر على اقتراف الذنوب و الآثام من غير ما مبالاة. فليرتكب المذنب ما ترغب اليه نفسه الخبيثة بصورة مستمرة عبر الليالي و الأيام، بل على مرّ الساعات و الآنات، مقتنعا بنفسه انه ملتزم بالصلاة و الصدقات، لقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ! و لعل عمر بن سعد- مع اعترافه بمآثم قتل ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان ممن يميل إلى هذا المذهب المنحرف في قوله:
|
فان صدّقوا فيما يقولون انني |
أتوب إلى الرحمن من سنتين[١] |
|
الأمر الذي ينكره الوجدان الشريف، و يرفضه دأب العقل الرشيد، فضلا عن منافاته لمقام عدله تعالى و حكمته في التكليف و البعث و الزجر و الوعد و الوعيد.
و في حديث الامام أبي عبد اللّه الصادق (عليه السّلام) مع أحد الصوفية دلالة واضحة على فساد هذا المذهب العامي:-
قال (عليه السلام): «ان من اتبع هواه و اعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامة تعظمه، فأحببت لقائه من حيث لا يعرفني. فتبعته يوما فمرّ بخباز فتغفله و سرق منه رغيفين. ثمّ مرّ بصاحب رمان فاختطف منه رمانتين، فتعجبت و قلت في نفسي ما حاجته إلى هذه السرقة! ثمّ لم أزل أتبعه حتى مرّ بمريض فوضع الرغيفين و الرمانتين بين يديه! قال الامام: فتعرضت له و سألته عن صنيعه ذلك. فقال: لعلك جعفر بن
[١] اسرار الشهادة عن مقتل ابن مخنف: ص ٢٣٢. و تجد صدر الابيات في كامل ابن الاثير: ج ٣ ص ٢٨٣ و مناقب ابن شهرآشوب: ج ٤ ص ٩٨.